التطور العمراني لمدينة غرناطة عبر العصور

 

التطور العمراني لمدينة غرناطة عبر العصور: من المفهوم النظري إلى روائع الحمراء

خلاصة المقال: دراسة أكاديمية وعمرانية شاملة حول التطور العمراني لمدينة غرناطة؛ تبدأ بتأصيل مفهوم العمران والتراث المعماري في اللغة والاصطلاح وفي الفكر الخلدوني، ثم تتناول مراحل تطور النسيج العمراني في الأندلس وصولاً إلى العصر الزيري والنصري، وتستعرض تخطيط الأحياء والأسوار وقصور الحمراء.

كاتب المقال: دحومي صلاح الدين 

 


 

بطاقة التعريف بالنسيج العمراني لغرناطة

البيانالتفاصيل العمرانية
مفهوم العمران

الصورة المادية التخطيطية للمدينة ونسيجها المعماري وتراثها الحضاري

التأسيس العمراني الإسلامي

زاوي بن زيري (407 - 412 هـ) بنقل السكان من إلبيرة إلى ضفاف نهر دارو

التأثير المعماري السابق

العمارة الأموية (الجامع وقصر الزهراء) والموحدية

نواة التخطيط النصري

قصبة الحمراء على تل السبيكة بجهود محمد الأول بن الأحمر

التقسيم العمراني للمدينة

المدينة الملكية (الحمراء) والمدينة العامة (غرناطة والبياسين)

1. التأصيل المفهومي: العمران والتراث المعماري

قبل الخوض في معالم غرناطة، من الضروري إدراك المفاهيم التأصيلية للعمران والتراث:

أ. العمران لغة واصطلاحاً:

  • لغة: مشتق من مادة (عَمَرَ) نقيض الخراب، ويشير إلى الإقامة والبقاء وعمارة الأرض والتعمير.

  • اصطلاحاً (المفهوم الخلدوني والأثري): في مفهوم ابن خلدون هو كلمة شاملة تضم كافة النشاطات البشرية والحضارية المنتجة للترف والنمو. أما أثرياً فهو الصورة المادية التخطيطية للمدينة ونسيجها المعماري المشكل لكيانها.

ب. التراث العمراني وأهميته:

يُعرف التراث العمراني بحسب منظمة اليونسكو (1972) وإعلان أمستردام (1975) بأنه كل ما شيده الإنسان من مدن وقرى وأحياء ومبان وحدائق ذات قيمة أثرية أو معمارية أو تاريخية أو ثقافية تُمثل تسجيلاً حياً لبصمة الأمم وعلاقتها ببيئتها.





2. جذور العمارة الأندلسية ومراحل تطورها

لم يكن عمران غرناطة سوى الذروة والمرحلة الأخيرة لتطور الفن المعماري الأندلسي عبر العصور:

  1. العهد الأموي (الإمارة والخلافة): وضعت الدولة الأموية اللبنات الأولى للهندسة الأندلسية بدءاً من جامع قرطبة وقصر الرصافة في عهد عبد الرحمن الداخل، وصولاً إلى مدينة الزهراء في عهد عبد الرحمن الناصر بأعمدتها المارمرية وسقوفها المذهبة وزخارفها الجصية والفسيفسائية.

  2. عهدا المرابطين والموحدين: انتقلت التأثيرات المعمارية بين المغرب والأندلس، واكتسبت العمارة طابعاً يتسم بالصلابة الدفاعية والجمال الهندسي المتقن.

  3. موجة اللجوء والتهجير: إثر تقدم حركة الاسترداد الشمالية وسقوط قواعد أندلسية كبرى، هاجر آلاف الصناع والفنانين وأرباب الحرف إلى مملكة غرناطة، مما يسر تجميع الطاقات الفنية وتركزها في العاصمة الجديدة.

3. التحول العمراني وتأسيس غرناطة الإسلامية

تتميز غرناطة بين المدن التاريخية بأنها بنيت كـ مدينة إسلامية خالصة بحسب الغرض دون الارتكاز المباشر على بنية رومانية سابقة (كما هو الحال في قرطبة ودمشق)، مما يجعل تخطيطها أشبه بالقاهرة وبغداد:

  • دور زاوي بن زيري (407 - 412 هـ): نقل سكان مدينة "إلبيرة" القديمة إلى الموضع الجديد على ضفاف نهر "دارو" (حدرة)، لتتأسس النواة الأولى للمدينة.

  • الازدواجية المدينية في العصور الوسطى: انقسمت غرناطة إلى مدينتين متكاملتين:

    1. المدينة الملكية (الحمراء): تقع على تل السبيكة وتضم القصور والقصبة وأحياء الأمراء والوزراء.

    2. مدينة العامة (غرناطة): تضم الأحياء الشعبية، الأسواق، وحي البياسين.

4. الملامح العمرانية في عهد بني نصر (بني الأحمر)

أسس محمد بن يوسف بن نصر (ابن الأحمر) معقله على قمة "السبيكة" المحصنة، وشرع في ترميم أسوارها وبناء القصبة لتكون النواة الأولى لقصور الحمراء الشهيرة:

أ. الأسوار والأبراج الدفاعية:

أقام ملوك بني نصر سوراً ضخماً أحاط بتلي الحمراء والبياسين، وامتد جنوباً وشرقاً بمحاذاة نهر حدرة حتى مجرى نهر شنيل. تدعم هذا السور بأبراج دفاعية صغيرة عُرفت بـ "البرانيات"، ولا تزال بعض بقاياها قائمة.

ب. الأسواق والأحياء السكنية:

  • منطقة القيسارية والجامع: تقع الأسواق غرب الشارع الرئيسي (شارع فرديناند وإيزابيلا حالياً) في "القيسارية" وحول المسجد الجامع (موقع الكاتدرائية اليوم).

  • حي البياسين والأحياء الشعبية: تمتد في الجانب الشمالي للعامة.

  • الأحياء الراقية: يضم الجانب الشرقي دوراً فسيحة وأبنية مجهزة بالبساتين والحدائق المخصصة للأمراء وأكابر الدولة.



📚 المصادر والمراجع المعتمدة:

  1. ابن فارس: مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر، بيروت، 1979م، ج 4، ص 141.

  2. أحمد البدوي محمد الشريعي: دراسات في جغرافية المدن، دار الفكر العربي، القاهرة، 1995م، ص 14-15.

  3. عبد القادر قرمان: عمران وعمارة مدينة معسكر، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر، 2014م، ص 52.

  4. M. Saidoni: Éléments d’introduction à l’urbanisme, Casbah Éditions, Alger, 2000, p. 12.

  5. M. Auby: Droit Administratif, Précis Dalloz, 1973, p. 73.

  6. ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1994م، مج 4، ص 604.

  7. مشاري بن عبد الله النعيم: أبحاث وتراث: دراسات في التراث العربي، ملتقى التراث العمراني، جدة، 2001م، ص 98.

  8. عبد الناصر الزهراني: إدارة موارد التراث والعمارة، جامعة الملك سعود، ص 128.

  9. رنا إسماعيل اليسير: تاريخ العمارة بين القديم والحديث، إثراء للنشر، الأردن، 2010م، ص 5.

  10. عصام الدين محمد علي: دور التشريعات في الحفاظ على التراث العمراني، جامعة أسيوط، ص 107.

  11. محمد بشير حسن راضي العامري: مظاهر الإبداع الحضاري في التاريخ الأندلسي، دار غيداء، بغداد، 2012م، ص 29.

  12. لسان الدين بن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق: محمد عبد الله عنان، ص 27-28.

  13. نوفل نعمة الله: صنهاجة الطرب في تقدمات العرب، سوريا، 1899م، ص 149.

  14. فهمي عبد الغني المصري وآخرون: تاريخ المغرب والأندلس، دار التعليم الجامعي، مصر، 2024م، ص 297.

  15. محمد عبد العزيز مرزوق: قصر الحمراء، دار القلم، الأردن، 1963م، ص 38.

  16. نادر إبراهيم إسماعيل: دراسة عناصر الإبداع المعماري بقصر الحمراء، مجلة العلوم الهندسية، جامعة أسيوط، 2022م، ص 82.

  17. زكي عبد الرحمن: غرناطة وآثارها الفاتنة، نوابغ الفكر، القاهرة، 2011م، ص 37.

  18. يوسف شكري فرحات: غرناطة في ظل بني الأحمر، دار الجيل، بيروت، ص 169-170.

  19. عبد الحكيم الذنون: آفاق غرناطة، دار المعرفة، 1944م، ج 2، ص 43-44.

  20. سلمى خضراء الجيوسي: الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997م، ج 2، ص 151.

تعليقات