العزوف السياسي في الجزائر: من "العزوف عن التصويت" إلى "العزوف عن الترشح"
الخلاصة
لم يعد العزوف السياسي في الجزائر مقتصراً على عزوف الناخبين عن صناديق الاقتراع، بل امتد ليصبح أزمة مزدوجة: ناخبون يرفضون التصويت، ومترشحون يرفضون الترشح. في الانتخابات التشريعية لسنة 2026، بلغت نسبة المشاركة 21.24% داخل الوطن، وهو أدنى مستوى تاريخي، لكن الأخطر — حسب المراقبين — هو تراجع عدد المترشحين وانكماش قوائم الترشح بأكثر من النصف مقارنة بانتخابات 2021. جوهر الظاهرة هو انهيار الثقة السياسية: حين لا يُغيّر التصويت سياسةً ولا يُغيّر الترشح واقعاً، يصبح الانسحاب من "التصويت" و"الترشح" معاً هو الخيار العقلاني للفرد.
أولاً: الأرقام — وجهان للعزوف
1. عزوف الناخبين
بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية ليوم 2 جويلية 2026 ما نسبته 21.24% فقط داخل الوطن، و10.75% خارج الوطن. ويأتي هذا الرقم امتداداً لتراجع مستمر: نسبة المشاركة في استفتاء الدستور 2020 كانت 23.7%، وفي التشريعيات 2021 كانت 23.03%، وكلها مستويات متدنية تاريخياً.
والأمر الأكثر دلالة هو نحو مليون ورقة ملغاة، أي ما يعادل حوالي 18% من مجموع المصوتين. لا يمكن ردّ هذه الأوراق الملغاة إلى "أخطاء تقنية" فحسب، بل يقرأها الباحثون كـ"احتجاج صامت" أو تعبير سياسي عن "المشاركة دون إعلان الموقف".
2. عزوف المترشحين
السمة الجديدة للعزوف السياسي في الجزائر هي انتقاله من "عدم التصويت" إلى "عدم الترشح". في انتخابات 2026، تراجع عدد المترشحين بشكل ملحوظ مقارنة بـ2021، وانكمشت قوائم الترشح بأكثر من النصف.
وقد أقرّ قياديون في أحزاب متعددة بصعوبة تجنيد المترشحين. ويشير عضو حركة مجتمع السلم (حمس) بن حمدا إلى أن المترشحين المحتملين يخشون الإقصاء بموجب المادتين 200 و184 من قانون الانتخابات، في حين أن "سنوات من العمل السياسي بلا نتائج أو آفاق" جعلت الناشطين يحجمون. وذهب رئيس حزب صوت الحرية إلى القول إن الجزائر انتقلت من "عزوف التصويت" إلى "عزوف الترشح".
ثانياً: الأسباب — أزمة ثقة ثلاثية
1. فقدان الثقة في الآلية الانتخابية
يرى الباحث الجزائري فيصل أزقدالن أن المشكلة الجوهرية هي "تفريغ الفعل الانتخابي من مضمونه" — عدم الثقة في العملية الانتخابية، وعدم الثقة في الهيئة المنظمة للانتخابات، و"غياب الثقة المخيف بين الشعب والنخبة السياسية".
وتُظهر دراسة ميدانية حول الشباب الجزائري أن 94.2% من المستجوبين أعربوا عن "عدم رضا تام" أو "عدم رضا" عن طريقة عمل المنظومة السياسية. كما بلغت نسبة المستجوبين الذين لم يصوتوا قط منذ 2002 حوالي 72.9%، وهو ما يصنّفه الباحثون بـ"المقاطعين الممنهجين".
2. الإحباط من المؤسسات التمثيلية
ظلّ البرلمان الجزائري يُنظر إليه — على نطاق واسع — كـملحق للسلطة التنفيذية لا كسلطة رقابية فاعلة. ويلاحظ المراقبون أن البرلمان "لم ينجح في بناء صورة مؤسسة قادرة على التأثير الفعلي في القرار أو ممارسة رقابة سياسية حقيقية على السلطة التنفيذية".
ويرى الوزير الأسبق عبد العزيز رحابي أن العزوف الانتخابي "لم يعد مؤشراً رقمياً، بل يعكس أزمة ثقة مستمرة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية".
3. الانغلاق البنيوي للفضاء السياسي
يشير التجمع من أجل الديمقراطية والثقافة (RCD) إلى أن العزوف هو نتيجة "الإغلاق التدريجي للمجال السياسي، وإضعاف فضاءات الوساطة بين الدولة والمجتمع، والقيود المستمرة على الحريات العامة". وفي انتخابات 2026، أُقصيت آلاف الترشحات من قبل الهيئة الانتخابية، بحجج منها "التواطؤ مع المال الفاسد"، لكن المنتقدين يرون أن الهدف كان "تشكيل برلمان لا يملك إلا تسجيل إرادة السلطة".
ثالثاً: النتائج السياسية — العزوف يعيد تشكيل المشهد
1. انهيار المنطق الانتخابي التقليدي
تحذّر حركة النهضة من أن من أخطر نتائج العزوف الانتخابي هو استبدال التصويت على أساس البرامج والرؤى بالتصويت العائلي والقبلي والجهوي. فحين يختار عدد متزايد من المواطنين الانسحاب من اللعبة الانتخابية، فإن من يبقى مشاركاً — وغالباً ما يُ mobilized عبر شبكات الولاءات التقليدية — يحصل على تأثير غير متناسب. وهذا بدوره يُضعف دور الأحزاب كـ"وسطاء بين المجتمع والدولة".
2. تآكل الشرعية المؤسساتية
نسبة مشاركة لا تتجاوز الخُمس تعني أن المؤسسات المنتخبة تفتقر — إلى جانب "الشرعية الإجرائية" — إلى "الشرعية السياسية". وكما يقول التحليل، فإن الشرعية الإجرائية وحدها لا تكفي لبناء الشرعية السياسية، التي "تحتاج مشاركة شعبية أوسع".
3. العزوف يعزّز نفسه
يتميّز العزوف السياسي بخاصية التعزيز الذاتي: انخفاض المشاركة يؤدي إلى مؤسسات ضعيفة الشرعية، وضعف الشرعية يعزز إدراك "أن التصويت بلا معنى"، ما يدفع مزيداً من الناس إلى الانسحاب. وتُظهر إحدى الدراسات أن 92.2% من الشباب المستجوبين تقتصر مشاركتهم السياسية على "عدم المشاركة" أو "مشاركة عابرة".
خاتمة
العزوف السياسي في الجزائر ليس مجرد "عدم اهتمام المواطن بالسياسة"، بل هو رفض واعٍ من فرد عقلاني لمشاركة سياسية غير مجدية. فحين لا يُغيّر التصويت سياسة، ولا يُغيّر الترشح تأثيراً، يصبح الانسحاب من "التصويت" و"الترشح" معاً هو الخيار الأكثر عقلانية.
التحدي الحقيقي ليس في "تحفيز التصويت"، بل في إعادة بناء معنى المشاركة السياسية — بأن يثق المواطن أن صوته مسموع، وأن يثق المترشح أن ترشحه قادر على إحداث التغيير. وبدون هذا التحول الجوهري، ستبقى الجذور البنيوية للعزوف السياسي قائمة، مهما تذبذبت أرقام المشاركة.
المراجع
ORSAM, "العزوف السياسي في الجزائر: دراسة تحليلية لأسباب العزوف في الاستفتاء على مشروع الدستور 2020," 2020.
Africa Eye, "العزوف الانتخابي في الجزائر… أزمة ثقة تتجاوز صناديق الاقتراع," 2026.
Ultra Algeria, "محليات 2026.. قيادي في 'حمس' يكشف 3 أسباب لعزوف المترشحين," 2026.
العربي الجديد, "باحث جزائري: العزوف الانتخابي شكل من أشكال الاحتجاج," 2026.
الإذاعة الجزائرية, "الانتخابات التشريعية 2 جويلية: نسبة المشاركة بلغت 21.24% داخل الوطن," 2026.
الشروق أونلاين, "النهضة قلقة من هيمنة التصويت العائلي والعشائري والجهوي," 2026.
Ultra Algeria, "عبد العزيز رحابي: تراجع المشاركة في التشريعيات يستوجب مراجعة شاملة," 2026.
جامعة الجزائر, "التغيب عن التصويت في بلاد القبائل: النوايا المعلنة والواقع," (رسالة ماجستير).
Ultra Algeria, "قبل 48 ساعة من غلق قوائم المحليات.. الأحزاب في سباق مع الزمن," 2026.
Ultra Algeria, "أصوات خارج الحسابات.. ماذا تقول الأوراق الملغاة," 2026.
Ultra Algeria, "حوار | زهير رويس: العزوف سببه أزمة ثقة," 2026.
Le JDD, "Législatives : l'Algérie boude les urnes," 2026.
.jpg)
.jpg)