JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->

بكري وبوشناق

خط المقالة

 

بكري وبوشناق ودورهما في الحياة التجارية بالجزائر العثمانية

أصول العائلتين وبدايات النشاط التجاري

✍️ كتبه : دحومي صلاح الدين

تعود أصول الأسرتين اليهوديتين بكري وبوشناق إلى مدينة ليفورنو (Livorno) الإيطالية، إحدى أهم المراكز التجارية لليهود السفرديم في البحر الأبيض المتوسط. وقد استقر أفراد الأسرتين في الجزائر خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، في سياق التحولات الاقتصادية التي عرفتها إيالة الجزائر آنذاك.

تُعدّ أسرة نفطالي بوشناق أول من حلّ بالجزائر، وذلك في حدود سنة 1723م، تلتها أسرة بكري التي استقرت رسميًا سنة 1770م–1774م. وتشير المصادر إلى أن الشريكين لم يبدآ نشاطهما التجاري معًا، بل دخلا عالم التجارة كلٌّ على حدة، قبل أن تجمع بينهما لاحقًا المصالح الاقتصادية والظروف السياسية والارتباطات العائلية.

فقد هاجرت أسرة بكري من ليفورنو، وكان على رأسها الأب ميشال كوهين بكري، المعروف باسم مستعرب ابن زاهرت. قدم هذا الأخير إلى مدينة الجزائر سنة 1770م بمفرده، واشتغل بدايةً في بيع الخردوات بنواحي باب عزون. وبفضل حنكته التجارية، سرعان ما توسعت تجارته، وازدادت ثروته في فترة وجيزة، ليصبح من كبار تجار المدينة، منافسًا بقية تجار اليهود.

أما أسرة بوشناق (أو بوجناح)، فقد قدمت بدورها من ليفورنو، وكانت في بداياتها أسرة معدمة لا تملك قوت يومها. وقد اضطر رئيس الأسرة إلى العمل في تجارة بسيطة، بل والاتجار بالعسل لسدّ الرمق عند بعض تجار قومه. غير أن مسار الأسرة تغيّر تدريجيًا، حيث توسّعت تجارتها وازدهرت ثروتها مع مرور الوقت.

وكانت مصاهرة بوشناق لحفيد أسرة بكري الثرية بمثابة أكبر صفقة اجتماعية وتجارية في تاريخ العائلة، إذ مهّدت لتحالف استراتيجي بين الأسرتين، تُوِّج بتأسيس شركة تجارية مشتركة سنة 1783م، شكّلت لاحقًا أحد أعمدة الاقتصاد الجزائري.



تمهيد لأحداث 1805م وملف الديون الجزائرية-الفرنسية

لم يكن النفوذ الاقتصادي الواسع الذي بلغته شركة بكري وبوشناق في أواخر القرن الثامن عشر مجرد ظاهرة تجارية معزولة، بل شكّل عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل موازين القوة داخل إيالة الجزائر، وانعكس مباشرة على علاقاتها الخارجية، ولا سيما مع فرنسا. فقد أفضى احتكار الشركة لتجارة الحبوب والأخشاب، وتحكّمها في مسارات التموين والائتمان، إلى إدخال الدولة الجزائرية في شبكة معقّدة من الالتزامات المالية، كان لليهود فيها دور الوسيط والمموّل والمستفيد في آن واحد.

ومع اندلاع الثورة الفرنسية وما رافقها من اضطراب في مؤسسات الدولة الفرنسية، تعطّلت آليات الوفاء بالديون المستحقة لشركة بكري وبوشناق، والمتأتية أساسًا من عقود تموين فرنسا بالحبوب خلال سنوات المجاعة والحروب. وقد وجد الدايات المتعاقبون أنفسهم أمام وضع مالي ملتبس، إذ أصبحت الديون موضوع نزاع بين الدولة الجزائرية والسلطات الفرنسية، بينما تمسّك الشريكان اليهود بحقوقهما المالية، مستفيدين من موقعهما داخل دوائر الحكم، ومن امتداداتهما الواسعة في أوروبا.

وقد ساهم هذا التعقيد المالي في تأجيج التوتر الداخلي، حيث نظر جزء من السكان إلى تحالف بكري وبوشناق مع السلطة بوصفه أحد أسباب الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، وهو ما غذّى مشاعر السخط الشعبي، التي ستنفجر لاحقًا في أحداث 1805م، حين تحوّلت النقمة الاجتماعية إلى موجة عنف واسعة استهدفت اليهود بوجه عام، بوصفهم—في نظر العامة—رمزًا للاحتكار والاستغلال، رغم أن المسؤولية الحقيقية كانت محصورة في دائرة ضيقة من أعيان الطائفة.

ومن جهة أخرى، شكّل ملف الديون إحدى الذرائع السياسية التي استثمرتها فرنسا لاحقًا في تصعيد خطابها العدائي تجاه إيالة الجزائر، حيث أُعيد توظيف هذا الملف في سياق أوسع، مهّد تدريجيًا للأزمة الدبلوماسية الشهيرة، وصولًا إلى حادثة المروحة سنة 1827م، ثم الاحتلال العسكري سنة 1830م. وبذلك يتضح أن شركة بكري وبوشناق لم تكن مجرد فاعل اقتصادي، بل عنصرًا محوريًا في سلسلة من الأحداث السياسية والاقتصادية التي ستُسهم في إضعاف الدولة الجزائرية عشية سقوطها.


شركة بكري وبوشناق: النشأة وتثبيت النفوذ

اختلفت آراء المؤرخين حول التاريخ الدقيق لتأسيس شركة بكري وبوشناق.

  • يرى محمد العربي الزبيري أن تأسيسها يعود إلى سنة 1793م، عندما حصلت الشركة على عقد رسمي يقضي بتموين فرنسا بالحبوب لمدة خمس سنوات (1793م–1798م).

  • بينما تشير آراء أخرى إلى أن جذور الشركة تعود إلى سنة 1786م، مع تثبيتها رسميًا في 14 نوفمبر 1793م.

وقد أُنشئت الشركة خلال عهد الداي حسن (1792م–1798م)، الذي عيّن نفطالي بوشناق مستشارًا له، وجعله في الوقت ذاته من المقرّبين من الوزناجي، كما أصبح زعيمًا للطائفة اليهودية في الجزائر. وأسهم هذا الموقع السياسي في ترسيخ نفوذ الشركة داخل الإيالة وخارجها.

وبفعل القطيعة الجزائرية–الفرنسية إثر حملة نابليون، تمكنت شركة بكري وبوشناق من السيطرة شبه المطلقة على مقاليد الاقتصاد الجزائري، وحملت في البداية اسم:
«سلمون كوهين بكري وإخوته»، قبل أن تتحول إلى «الإخوة بكري وبوشناق».

وقد مكّن هذا التحالف الشركة من فرض نفسها في أوروبا، عبر تعيين ممثلين لها في الموانئ المتوسطية، يتفاوضون باسم الجزائر، حتى بلغ نفوذ بكري حدّ أن يُلقب بـ «ملك الجزائر»، بعد أن صار يسالم من يشاء ويعلن الحرب على من يشاء، بل وأسهم في إرساء بعض المسؤولين على المرافق التجارية في باريس.




المطلب الثالث: تأثير شركة بكري وبوشناق على الواقع السياسي

أصبحت شركة بكري وبوشناق تحتكر ما يقارب ثلثي التجارة الخارجية الجزائرية، وتولت تزويد الأسواق الفرنسية بالحبوب، بموجب اتفاقات مع الداي حسن والداي مصطفى باشا. وقد سخّر الشريكان هذا الامتياز لخدمة مصالحهما الخاصة، معتمدين على مهارات عالية في تسويق البضائع، والتحايل على رجال الجمارك، خلافًا للتجار المسلمين المعروفين بصدقهم وأمانتهم في المعاملات.

وكانت أولى خطوات الشركة نحو التوسع هي احتكار تصدير الحبوب، بعد استحواذها على كميات ضخمة من المخزون في الإقليم الشرقي، ثم انتقلت إلى السيطرة على الأسواق المالية، حيث قامت بدور المصارف، وقدّمت القروض للسلطة الجزائرية نفسها.

كما لعبت الشركة دورًا استخباراتيًا بالغ الأهمية، مستفيدة من شبكة واسعة من ممثليها في الداخل والخارج، تزود السلطة بالمعلومات. وقد تقربت منها بريطانيا بعد فشلها في مزاحمة فرنسا في الشرق الجزائري، ففتحت أمام السفن اليهودية مضيق جبل طارق نحو المحيط الأطلسي.

وخلال الفترة الممتدة من 1793م إلى 1800م، صدّرت الشركة كميات هائلة من الحبوب، بلغت قيمتها سنة 1793م وحدها نحو 2 مليون فرنك. ومع حلّ الشركة الملكية الإفريقية في 17 جانفي 1794م، خلا الميدان تمامًا لبكري وبوشناق، خاصة أن الوكالة التي خلفتها لم تبدأ نشاطها إلا بعد شهرين، وسط نقص رؤوس الأموال ووسائل النقل، مما اضطر فرنسا للتعامل مجددًا مع اليهود.

ولم يقتصر احتكار الشركة على الحبوب، بل امتد إلى تجارة الأخشاب، وهي مورد حيوي لصناعة السفن والبواخر، خاصة في المنطقة الممتدة من بجاية إلى نواحي القل. وقد تمكّنوا من السيطرة على هذا القطاع بموجب ترخيص صدر عن الداي مصطفى باشا سنة 1799م.

وساعد على هذا الاحتكار ضعف الجهاز الدفاعي الجزائري، وتهلهل الأسطول البحري، الذي أصبح خاضعًا لنفوذ اليهود، حيث فُرضت أثمان مرتفعة للأخشاب وفق تسعيرة الحاج مصطفى، مضافًا إليها نسبة 20%، ما أثقل كاهل الدولة، وأسهم في تصاعد السخط الشعبي.




كلمات مفتاحية مقترحة (SEO)

شركة بكري وبوشناق – التجارة في الجزائر العثمانية – يهود ليفورنو – احتكار الحبوب – الاقتصاد الجزائري في القرن 18 – الداي حسن – الداي مصطفى باشا


NomE-mailMessage