JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->

قراءة تداولية في قصيدة "صوت جيش التحرير الوطني" لمحمد العيد آل خليفة

خط المقالة

 

قراءة تداولية في قصيدة " قراءة تداولية في قصيدة صوت جيش التحرير الوطني لمحمد لعيد آل خليفة"



مقدمة

يُعد الشعر الجزائري المقاوم من أبرز أشكال التعبير الأدبي التي رافقت الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، إذ تجاوز وظيفته الجمالية ليتحوّل إلى خطاب نضالي وتواصلي أسهم في تعبئة الوعي الجمعي وترسيخ قيم المقاومة والهوية الوطنية. وفي هذا الإطار، برز الشاعر محمد العيد آل خليفة بوصفه أحد أهم الأصوات الشعرية التي واكبت الثورة الجزائرية، وجعلت من القصيدة وسيلة للدفاع عن القضية الوطنية وأداة للتأثير في المتلقي.

تُعدّ قصيدة «صوت جيش التحرير» نموذجًا دالًا على هذا التحول، حيث تجاوزت التعبير الوجداني إلى بناء خطاب شعري مقصدي موجَّه للإقناع بعدالة الكفاح المسلح، وتكريس صورة جيش التحرير رمزًا للبطولة والتضحية. ومن ثمّ، فإن مقاربة النص بعيدًا عن سياقه التواصلي والتاريخي تُفقده كثيرًا من دلالاته الوظيفية.

وقد أسهمت التداولية، بوصفها من المناهج اللسانية الحديثة، في إعادة قراءة النصوص الأدبية عبر التركيز على مقاصد المتكلم، وسياق الاستعمال، وأفعال القول، وآليات التأثير في المتلقي، مما يجعلها منهجًا مناسبًا لتحليل الخطاب الشعري الثوري القائم على الإقناع والتوجيه. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة قصيدة «صوت جيش التحرير» مقاربة تداولية منفتحة على الأدوات البلاغية العربية، باعتبارها وسائل تخدم المقصد التداولي، وتسهم في بناء الدلالة وتعزيز الحجاج. ويأتي هذا البحث ضمن الجهود الرامية إلى تجديد قراءة الشعر الجزائري المقاوم في ضوء المناهج اللسانية المعاصرة.

انطلاقًا مما سبق، تتمحور إشكالية هذا البحث حول التساؤل الآتي:
إلى أيّ مدى أسهمت الآليات التداولية والبلاغية في قصيدة «صوت جيش التحرير» لمحمد العيد آل خليفة في بناء خطاب شعري مقصدي ذي وظيفة تواصلية وحجاجية، يتجاوز البعد الجمالي إلى التأثير في المتلقي وتعبئته وطنيًا؟


المبحث الأول: الأفعال الكلامية في القصيدة بين التداولية والبلاغة

المطلب الأول: الأفعال الكلامية الإخبارية ووظيفتها البلاغية

تتجلى الأفعال الكلامية الإخبارية (Assertives) بكثافة لافتة في قصيدة «صوت جيش التحرير»، إذ يعتمد الشاعر عليها بوصفها الوسيلة الأساسية لنقل وقائع الثورة الجزائرية وتثبيتها في الوعي الجمعي على أنها حقائق تاريخية منجزة، لا مجرّد احتمالات أو ادعاءات. وتكمن أهمية هذا النوع من الأفعال في الخطاب الثوري في كونه يؤسس لما يمكن تسميته بـ"الشرعية الخطابية"، حيث يُقنع المتلقي بعدالة القضية من خلال عرض الوقائع بوصفها منجزة لا قابلة للإنكار.

ويظهر هذا البعد من خلال هيمنة الأفعال الماضية، كما في قوله:
«اتخذنا من الجبال قلاعًا»

فالفعل «اتخذنا» لا يؤدي وظيفة إخبارية محايدة، بل ينجز فعلًا كلاميًا يتمثل في إثبات القدرة التنظيمية والعسكرية لجيش التحرير. ومن منظور تداولي، فإن المتكلم هنا لا يخبر فحسب، بل يُلزم المتلقي بتقبّل هذه الحقيقة بوصفها واقعًا تاريخيًا. أما بلاغيًا، فإن الأسلوب الخبري يعكس نبرة يقينية تتناسب مع طبيعة الخطاب المقاوم الذي لا يحتمل التردد أو الاحتمال.

ويتعزز هذا المعنى في قوله:
«دمدم الطبل للنفير فثرنا»
«وهززنا الأرض كالزلزال»

حيث تتتابع الأفعال الماضية في نسق إنجازي متسارع («دمدم»، «ثرنا»، «هززنا»)، وهو ما يوحي بالحركة الدائمة والفعل المتواصل. وتُسهم هذه السلسلة من الأخبار في بناء صورة جيش التحرير بوصفه قوة فاعلة ومبادِرة، لا مجرد ردّ فعل. كما أن هذا التراكم الإخباري يؤدي بلاغيًا وظيفة التكثيف الدلالي، حيث تتراكم الأفعال لتنتج معنى القوة والهيمنة.

ومن الأمثلة الدالة كذلك قوله:
«أقمنا دعائم المجد»
«وأذقنا الأعداء مرّ النكال»

فالأفعال هنا لا تُسند إلى فرد، بل إلى جماعة، وهو ما يعزز الطابع الجماعي للفعل الثوري، ويجعل الخبر أداة لبناء هوية جمعية. وقد أشارت عجال أمال إلى أن هيمنة الأفعال الإخبارية في القصيدة تعبّر عن رغبة الشاعر في تخليد منجزات الثورة وتحويلها إلى مرجعيات يقينية في الذاكرة الوطنية (عجال أمال، 2023، ص 289).

ويؤكد عبد القاهر الجرجاني أن الخبر إذا ورد في سياق يقتضي التوكيد انتقل من مجرد الإخبار إلى التأثير والإلزام، وهو ما يتحقق بوضوح في هذا النص (الجرجاني، 2005، ص 73).

المطلب الثاني: الأفعال الكلامية التوجيهية وأبعادها البلاغية

إلى جانب الأفعال الإخبارية، تحضر الأفعال الكلامية التوجيهية (Directives) بوصفها آلية تداولية تهدف إلى تحريك المتلقي ودفعه إلى التفاعل والمشاركة. ويتميّز الخطاب الشعري الثوري بكثرة هذا النوع من الأفعال، لأنه لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يسعى إلى توجيه السلوك وبناء المواقف.

ومن أبرز الأمثلة قوله:
«إيهِ يا دولة الجزائر لبّي نداءنا للمعالي فواليكِ»

فالنداء هنا لا يُقصد به معناه الحرفي، لأن «الدولة» كيان معنوي، مما يدل على أن الخطاب موجّه ضمنيًا إلى الشعب الجزائري. ومن منظور تداولي، يُعد هذا مثالًا واضحًا على الفعل الكلامي غير المباشر، حيث يُستعمل النداء لتحقيق غاية توجيهية تتمثل في الحثّ على الالتفاف حول الثورة.

أما من الناحية البلاغية، فإن هذا الأسلوب يندرج ضمن المجاز المرسل، علاقته المحلية، إذ أُطلق المحل (الدولة) وأُريد الحالّ فيه (الشعب) (أبو العدوس، 2007، ص 132). وتكمن قيمة هذا الأسلوب في قدرته على الجمع بين الإيحاء البلاغي والفاعلية التداولية.

ويتكرر التوجيه كذلك في قوله:
«نقرع السمع بالصدى»

فالفعل «نقرع» يحمل دلالة تنبيهية قوية، وكأن الشاعر يسعى إلى إيقاظ المتلقي من حالة اللامبالاة، ودفعه إلى الإصغاء للخطاب الثوري. ويؤدي هذا التعبير وظيفة تداولية تتمثل في استثارة الانتباه، ووظيفة بلاغية تتمثل في تجسيد المعنى عبر الصورة.

كما يظهر التوجيه في صيغة الحثّ الجماعي من خلال ضمير الجمع، مثل:
«نحن جيش التحرير»

وهو تصريح يحمل في طياته دعوة ضمنية إلى الانضمام إلى هذه الجماعة أو تأييدها، وهو ما يمنح الخطاب بعدًا تعبويًا واضحًا.

المطلب الثالث: الأفعال التعبيرية والتكثيف البلاغي

تُعدّ الأفعال الكلامية التعبيرية (Expressives) من أكثر الأفعال حضورًا في المقاطع التي يغلب عليها الفخر والاعتزاز والانتصار. وهي أفعال تعبّر عن الحالة النفسية للمتكلم، لكنها في هذا النص لا تعبّر عن ذات فردية، بل عن وجدان جماعي.

ويتجلى ذلك بوضوح في قوله:
«نحن جيش التحرير جند النضال نحن أسد الفدى نمور النزال»

فالتكرار التداولي للضمير «نحن» يؤدي وظيفة إدماجية، حيث يذيب المسافة بين المتكلم والمتلقي، ويحوّل الخطاب إلى خطاب جماعي تشاركي. ومن الناحية البلاغية، يقوم التشبيه البليغ («أسد»، «نمور») بتكثيف صورة البطولة، إذ حُذفت أداة التشبيه ووجه الشبه، مما زاد الصورة قوة وتأثيرًا (ابن زروق، 2010، ص 245).

ويتأكد هذا البعد التعبيري في قوله:
«فزنا جميعًا»
«وانتصرنا»

حيث تعبّر هذه الصيغ عن نشوة الانتصار، لكنها في الوقت نفسه تؤدي وظيفة تداولية تتمثل في رفع الروح المعنوية لدى المتلقي، وتحفيزه على مواصلة الدعم والمساندة.


المبحث الثاني: المقصدية، الاستلزام الحواري، والحجاج

يُعدّ هذا المبحث من أهم محاور التحليل التداولي، إذ ينتقل من مستوى البنية اللغوية الظاهرة إلى مستوى النية الخطابية والمعنى المقصود، وما ينتج عنه من أفعال تأثيرية وحجاجية. فقصيدة «صوت جيش التحرير» لا تقوم على الإخبار فقط، بل تؤسس خطابًا مقصديًا موجَّهًا، يتوسل بالاستلزام الحواري والحجاج لإقناع المتلقي بعدالة الثورة، وبناء موقف داعم لها.

المطلب الأول: المقصدية التداولية في الخطاب الشعري

تُعدّ المقصدية من الركائز الأساسية في التداولية، إذ لا يمكن فهم الخطاب فهمًا صحيحًا إلا باستحضار نية المتكلم وسياق التلفظ. فالقول، في التصور التداولي، ليس مجرد تركيب لغوي، بل فعل يُنجز داخل وضعية تواصلية محددة. وفي هذا الإطار، لا تُقرأ قصيدة «صوت جيش التحرير» بوصفها نصًا وجدانيًا محضًا، بل خطابًا شعريًا ذا مقاصد سياسية ووطنية واضحة.

أولاً: المقصد التمجيدي
من أبرز مقاصد الشاعر تمجيد جيش التحرير الوطني، ورفعه إلى مصاف الرمز الجمعي المقدّس، ويتجلى ذلك في قوله:
«نحن جيش التحرير جند النضال»

فهذا القول لا يهدف إلى التعريف فحسب، بل إلى تثبيت هوية خطابية تجعل من جيش التحرير المرجعية الوحيدة للنضال. ومن منظور تداولي، فإن الشاعر يُنجز هنا فعلًا إنجازيًا يتمثل في منح الشرعية والاعتراف، لا مجرد الوصف.

ويتكرر هذا القصد في قوله:
«نحن أسد الفدى نمور النزال»

حيث تُسهم الصيغة الاسمية والتشبيه البليغ في ترسيخ صورة البطولة في ذهن المتلقي، وهو ما يخدم المقصد التمجيدي ويقوّي أثره النفسي.

ثانيًا: مقصد تثبيت الذاكرة الوطنية
يسعى الشاعر إلى تخليد منجزات الثورة وتحويلها إلى ذاكرة جمعية، وهو مقصد تداولي واضح، يظهر في كثافة الأفعال الماضية، مثل:

  • «اتخذنا من الجبال قلاعًا»

  • «دمدم الطبل للنفير فثرنا»

  • «أذقنا الأعداء مرّ النكال»

فهذه الأفعال لا تُستعمل لاستحضار الماضي فقط، بل لتأكيد استمرارية الأثر، وكأن الشاعر يخاطب الحاضر والمستقبل معًا. ومن ثمّ، فإن المقصد هنا يتجاوز الزمن اللغوي إلى زمن الذاكرة.

ثالثًا: مقصد تفنيد الخطاب الاستعماري
يُفهم الخطاب الشعري كذلك بوصفه ردًّا ضمنيًا على الدعاية الاستعمارية التي وصفت المجاهدين بـ«العصابات». ويتجلّى هذا القصد في قوله:
«أذقنا الأعداء مرّ النكال»

فهذا القول لا يُفهم بوصفه تباهيًا فقط، بل بوصفه تفنيدًا ضمنيًا لخطاب القوة الاستعمارية، وإثباتًا عمليًا لعكس ما ادّعته. وهنا تتحقق المقصدية عبر المواجهة الخطابية غير المباشرة.

المطلب الثاني: الاستلزام الحواري وبناء المعنى الضمني

يُعدّ الاستلزام الحواري من أهم آليات التداولية، إذ يسمح بتجاوز المعنى الحرفي إلى معنى مقصود يُفهم من السياق. وتكاد قصيدة «صوت جيش التحرير» تقوم في كثير من مقاطعها على هذا النوع من الدلالة.

أولاً: الاستلزام عبر الصورة الشعرية
يتجلى ذلك في قوله:
«وهززنا الأرض كالزلزال»

فالمعنى الحرفي يوحي بهزّ الأرض، وهو أمر غير مقصود، لكن السياق الثوري يجعل المتلقي يستنتج أن المقصود هو زعزعة الوجود الاستعماري سياسيًا وعسكريًا. وهنا يتحقق الاستلزام الحواري، حيث يُستنتج المعنى الحقيقي دون تصريح (فضل، 1998، ص 21).

ثانيًا: الاستلزام عبر النداء
يظهر الاستلزام بوضوح في قوله:
«إيهِ يا دولة الجزائر لبّي نداءنا»

فالنداء موجّه ظاهرًا إلى «الدولة»، لكنه في العمق موجّه إلى الشعب الجزائري. ويستنتج المتلقي هذا المعنى انطلاقًا من معرفته بالسياق، وهو ما يجعل القول مثالًا صريحًا على الفعل الكلامي غير المباشر.

ثالثًا: الاستلزام عبر التكرار
يتجلى الاستلزام كذلك في التكرار المقصود للضمير «نحن»، كما في:
«نحن جيش التحرير»
«نحن أسد الفدى»

فالتكرار هنا لا يؤدي وظيفة تأكيدية فحسب، بل يستلزم معنى ضمنيًا مفاده أن الانتماء إلى هذا “النحن” واجب وطني، وهو معنى لا يُصرَّح به، لكنه يُستنتج من السياق.

المطلب الثالث: الحجاج التداولي والبلاغي في القصيدة

يقوم الخطاب الشعري في «صوت جيش التحرير» على بنية حجاجية واضحة، تهدف إلى الإقناع وبناء المواقف، لا الاكتفاء بالتأثير العاطفي.

أولاً: الحجاج العاطفي
يتحقق الحجاج العاطفي عبر الصور البلاغية القوية، مثل التشبيه والاستعارة، كما في قوله:
«نحن أسد الفدى نمور النزال»

فهذه الصورة تثير مشاعر الفخر والعزة، وتُقنع المتلقي بعدالة القضية عبر التأثير الوجداني، وهو نوع من الحجاج يعتمد على الانفعال لا البرهنة المنطقية.

ثانيًا: الحجاج التاريخي
يقوم هذا النوع من الحجاج على استحضار الوقائع، كما في قوله:
«اتخذنا من الجبال قلاعًا»

فالشاعر يستند إلى واقع معروف في حرب التحرير، حيث كانت الجبال قواعد فعلية للمجاهدين. وهذا يمنح الخطاب مصداقية تاريخية تُقوّي أثره الإقناعي.

ثالثًا: الحجاج عبر الاستعارة
يظهر هذا النوع في قوله:
«أذقنا الأعداء مرّ النكال»

فالاستعارة التصريحية هنا لا تزيّن القول فحسب، بل تؤدي وظيفة حجاجية، إذ تُصوّر العدو في موقع المتلقي للألم والعقاب، مما يعزز قناعة المتلقي بانتصار الثورة (أبو العدوس، 1997، ص 264).




المبحث الثالث: البنية البلاغية في خدمة التداولية في قصيدة «صوت جيش التحرير»

تُبرز القراءة التداولية الحديثة أن البنية البلاغية في الخطاب الشعري ليست عنصرًا زخرفيًا أو جماليًا فحسب، بل آلية وظيفية تُسهم في إنجاز المقاصد الخطابية، وتوجيه المتلقي، وبناء الأثر الإقناعي. وانطلاقًا من هذا التصور، تتجاوز البلاغة في قصيدة «صوت جيش التحرير» حدود التصوير والتخييل لتتحول إلى أداة تداولية فعّالة تخدم المقصد الثوري للنص، وتسهم في ترسيخ المعاني الوطنية عبر الدلالة غير المباشرة والتأثير النفسي.

المطلب الأول: التشبيه والاستعارة ودورهما التداولي

أولاً: التشبيه بوصفه آلية تداولية
يُعدّ التشبيه من أكثر الأساليب البلاغية حضورًا في القصيدة، لما له من قدرة على تقريب المعنى المجرد إلى ذهن المتلقي، وتكثيف الدلالة التأثيرية. ومن أبرز الأمثلة قول الشاعر:
«نحن أسد الفدى نمور النزال»

فالتشبيه هنا بليغ، حُذفت فيه الأداة ووجه الشبه، مما أكسبه قوة دلالية عالية. ومن منظور تداولي، لا يهدف هذا التشبيه إلى الوصف فحسب، بل إلى إنجاز فعل إقناعي يتمثل في زرع صورة البطولة في وعي المتلقي، ودفعه إلى تبنّي موقف داعم للثورة.

ويتعزز هذا الدور التداولي حين يُفهم التشبيه في سياق الخطاب الثوري، إذ يتحول الحيوان المفترس إلى رمز للقوة والشجاعة، وهي معانٍ مشتركة ثقافيًا، ما يسهل عملية التأويل ويقوّي الأثر الإنجازي للقول (الجرجاني، 2005، ص 101).

ثانيًا: الاستعارة وتحويل المعنى إلى فعل
تلعب الاستعارة دورًا تداوليًا أعمق من التشبيه، لأنها تُنتج دلالة غير مباشرة تتطلب من المتلقي جهدًا تأويليًا. ويتجلى ذلك في قول الشاعر:
«وهززنا الأرض كالزلزال»

فالاستعارة هنا لا تُحيل إلى فعل مادي حقيقي، بل تُنجز فعلًا تداوليًا يتمثل في إيصال رسالة القوة والتغيير الجذري. ويُستنتج المعنى الحقيقي عبر السياق، مما يجعل الاستعارة وسيلة مثالية لتحقيق الاستلزام الحواري.

كما تظهر الاستعارة المكنية في قوله:
«نقرع السمع بالصدى»

إذ شبّه السمع بباب يُقرع، وحُذف المشبّه به ورُمز إليه بالفعل «نقرع». وبلاغيًا، تُحدث هذه الصورة صدمة سمعية، بينما تداوليًا تُنجز فعل التنبيه والإيقاظ، وكأن الشاعر يُوقظ وعي المتلقي من الغفلة (الجرجاني، 2005، ص 95).

المطلب الثاني: الكناية والمجاز وبناء الدلالة غير المباشرة

أولاً: الكناية بوصفها أداة تداولية
تُعدّ الكناية من أكثر الأساليب البلاغية انسجامًا مع التصور التداولي، لأنها تقوم على الإيحاء لا التصريح، وتتيح للمتلقي استنتاج المعنى المقصود دون الإخلال بالوظيفة التأثيرية. ويتجلى ذلك في قول الشاعر:
«واستقلت بوحدة الأوطان»

فهو لا يصرّح بالتحرر السياسي، بل يكني عنه بالاستقلال والوحدة. وتداوليًا، تُسهم هذه الصيغة في تعزيز الإجماع الوطني، لأنها تتجنب المباشرة الصدامية، وتُبقي المعنى مفتوحًا على التأويل الإيجابي (ابن خلكان، د.ت، ص 76).

ثانيًا: المجاز المرسل ووظيفته الحجاجية
يظهر المجاز المرسل في القصيدة بوصفه أداة حجاجية تُكثف المعنى وتختصر الخطاب. ومن ذلك قوله:
«إيهِ يا دولة الجزائر لبّي نداءنا»

فقد أُطلق المحل (الدولة) وأُريد الحالّ فيه (الشعب)، وهي علاقة محلية معروفة في البلاغة العربية. ومن منظور تداولي، يسمح هذا الأسلوب بتوجيه الخطاب إلى جماعة واسعة دون تحديد مباشر، مما يُكسب القول طابعًا جماعيًا شاملاً (أبو العدوس، 2007، ص 132).

المطلب الثالث: التكرار، الإيقاع، والصيغة في خدمة الفعل التداولي

أولاً: التكرار وبناء الهوية الجماعية
يتكرر الضمير «نحن» في القصيدة بشكل لافت، كما في:
«نحن جيش التحرير» / «نحن أسد الفدى»

وهذا التكرار لا يُفهم بوصفه حشوًا لفظيًا، بل بوصفه آلية تداولية لبناء هوية جماعية مشتركة، تُذيب الفوارق بين المتكلم والمتلقي، وتُدرجه ضمن الفعل الثوري.

ثانيًا: الإيقاع ودوره التأثيري
يسهم الإيقاع الشعري في تعزيز الأثر التداولي، إذ تُؤدي القافية الموحدة والبحر الحماسي إلى تثبيت الخطاب في الذاكرة السمعية للمتلقي، مما يسهّل عملية الاستدعاء والترديد، وهو أمر بالغ الأهمية في الخطاب التعبوي.

ثالثًا: الصيغة النحوية وتحقيق الفعل الإنجازي
تُسهم الصيغ الاسمية والفعلية في توجيه الدلالة التداولية، فالصيغة الاسمية، كما في:
«نحن جيش التحرير»

تفيد الثبوت والاستمرار، بينما تُسهم الصيغة الفعلية الماضية في ترسيخ الحدث بوصفه منجزًا، لا قابلًا للتشكيك.


خاتمة

ختامًا، يمكن القول إن دراسة القصيدة من منظور التداولية قد أظهرت الأبعاد المتعددة التي تحملها نصوص محمد العيد آل خليفة، والتي تتجاوز المعنى الظاهري لتصل إلى مستويات التواصل والتأثير بين الشاعر والقارئ والمجتمع. لقد أبرزت هذه القراءة التداولية كيف أن الشاعر لم يكتفِ بتجسيد صورة جيش التحرير الوطني كرمز للنضال والتحرير، بل وظف اللغة والأساليب البلاغية ليخلق فضاء تواصليًا يشارك فيه المتلقي بشكل فعال، مما يجعل النص ليس مجرد شهادة تاريخية بل تجربة ذهنية وعاطفية مشتركة.

كما أظهر البحث أن استعمال الشاعر للصور البيانية، والتكرار، والإيقاع، والرموز الوطنية، يعزز من قدرة النص على التفاعل مع المتلقي وتحفيز مشاعر الانتماء والفخر والمقاومة، وهو ما يعكس الوظيفة التداولية للقصيدة في السياق الوطني. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار هذه القراءة التداولية نافذة لفهم العلاقة بين النص الأدبي وسياقه الاجتماعي والسياسي، وكذلك دور الشعر في صياغة الوعي الجماعي وبناء الهوية الوطنية.


قائمة المراجع

  • الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز. تحقيق علي محمد زبير، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2005.

  • أنيس، إبراهيم. موسيقى الشعر. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1952.

  • أبو العدوس، يوسف. مدخل إلى البلاغة العربية. دار المسيرة، عمّان، 2007.

  • فضل، صلاح. نظرية البنائية في النقد الأدبي. دار الشروق، القاهرة، 1998.

  • ابن زروق، نصر الدين. البنى الأسلوبية في شعر محمد العيد آل خليفة. دار الهدى، عين مليلة، 2010.

  • عجال، أمال. البنيات الأسلوبية في قصيدة «صوت جيش التحرير». مجلة اللغة الوظيفية، العدد السابع، 2023.




أريد تعديل البحث ليصبح مناسبا للنشر في مدونتي بدون أي حذف: التطبيقات اللغوية في مناهج التعليم المتوسط في مادة اللغة العربية مقدمة: تُعتبر التطبيقات اللغوية من أهم الركائز التي يقوم عليها تعليم اللغة العربية، خاصة في مرحلة التعليم المتوسط، إذ تمثل الوصلة الحيوية بين المعرفة النظرية والمهارات العملية لدى التلاميذ. فهي لا تقتصر على ممارسة القراءة والكتابة فحسب، بل تشمل التعبير الشفوي، التحليل النحوي والصرفي، وفهم النصوص الأدبية والبلاغية، ما يجعلها أداة شاملة لتنمية الكفايات اللغوية الأساسية والمتقدمة. ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في ضوء التطورات المستمرة التي تشهدها مناهج التعليم العربي، والتي تسعى إلى تجويد العملية التعليمية وربطها بالمهارات التطبيقية. ومن هذا المنطلق، تتجلى أهمية دراسة التطبيقات اللغوية في معرفة مدى فاعليتها في تحقيق الأهداف التربوية، مثل: ترسيخ القواعد، تعزيز الفهم القرائي، تطوير التعبير الكتابي والشفوي، وتحفيز التفكير النقدي والتحليلي لدى التلاميذ. تنبثق إشكالية البحث من هذا السياق التربوي واللغوي، وتتمثل في السؤال الرئيس: كيف تُوظف التطبيقات اللغوية في مناهج التعليم المتوسط لتعزيز الكفايات اللغوية لدى التلاميذ؟ كما تفرع عنها أسئلة فرعية تتعلق بأنواع التطبيقات، مستوى صعوبتها، مدى ملاءمتها لقدرات التلاميذ، وأثرها في تحقيق التكامل بين المهارات اللغوية المختلفة. المطلب الأول: تعريف التطبيقات اللغوية وأهميتها في التعليم المتوسط 1. تعريف التطبيقات اللغوية تُعرف التطبيقات اللغوية بأنها: "مجموعة من الأنشطة والتمارين التي تهدف إلى تطبيق المعرفة النظرية المكتسبة في اللغة العربية عملياً، سواء على مستوى التعبير الكتابي، الشفوي، التحليل النحوي، أو فهم النصوص الأدبية والبلاغية" (الجابري، 2018، ص. 45). ويمكن اعتبارها الجسر الذي يربط بين النظرية والتطبيق، حيث تساعد الطالب على ممارسة اللغة بشكل مباشر، ما يضمن تثبيت المعرفة اللغوية وتطوير الكفايات الأساسية. 2. أهداف التطبيقات اللغوية: تسعى التطبيقات اللغوية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التربوية الأساسية في التعليم المتوسط، نذكر منها: تعزيز المهارات الأساسية: - القراءة: تطوير القدرة على الفهم والاستيعاب والتفسير. - الكتابة: تدريب الطالب على التعبير السليم والمترابط. - التعبير الشفوي: تحسين مهارات الحوار والمناقشة والتقديم. تنمية الكفايات النحوية والصرفية: - تثبيت القواعد النحوية والصرفية المكتسبة نظرياً. - تعزيز قدرة الطالب على استخدام القواعد في سياقات عملية. تدريب التلاميذ على تحليل النصوص الأدبية وفهم البلاغة: - التعرف على الأساليب البلاغية مثل التشبيه، الاستعارة، السجع، والجناس. - فهم المعاني الكامنة وراء النصوص وربطها بالسياق الثقافي والأدبي. ربط المعرفة النظرية بالممارسة العملية: - الانتقال من حفظ القواعد والمفردات إلى استخدامها في مهام لغوية حقيقية. - تمكين التلاميذ من اكتساب مهارات التفكير النقدي والتحليلي عند التعامل مع النصوص. تعزيز الثقة والاعتماد على الذات: - توفر التطبيقات فرصاً للتعلم الذاتي واكتشاف الأخطاء وتصحيحها. - تشجع على الإبداع في التعبير الكتابي والشفوي. المطلب الثالث: تحليل التطبيقات اللغوية حسب السنوات الدراسية أولاً: السنة الأولى متوسط 1. الهدف التربوي تركز السنة الأولى متوسط على تأسيس القواعد الأساسية للغة العربية لدى التلاميذ، وتدريبهم على تطبيقها عملياً في سياقات بسيطة. تهدف هذه المرحلة إلى: -ترسيخ المهارات الأساسية في القراءة والكتابة. -تدريب التلاميذ على إدراك القواعد النحوية والصرفية. -تعزيز القدرة على التعبير الكتابي البسيط. -تحفيز التلاميذ على التفاعل مع النصوص الأدبية بأسلوب مبسط. 2. عدد التطبيقات ونوعيتها حوالي 45 تمريناً موزعة على جميع المهارات اللغوية الأساسية. 3. توزيع التطبيقات حسب المهارات المهارة النسبة المئوية الهدف التفصيلي القواعد 60% تثبيت القواعد الأساسية مثل الأفعال، الضمائر، أسماء الإشارة القراءة 20% تنمية مهارات الفهم والاستيعاب للنصوص البسيطة. التعبير 15% كتابة جمل وفقرات قصيرة، استخدام المفردات والصفات الأساسية. البلاغة 5% التعرف على الصور البلاغية البسيطة في النصوص. 4. ملاحظات - التمارين سهلة لتسهيل الفهم والربط بين النظرية والتطبيق. - التركيز الأكبر على القواعد الأساسية لضمان قاعدة صلبة لبقية السنوات. ثانياً: السنة الثانية متوسط 1. الهدف التربوي تركز السنة الثانية على ربط القواعد بالنصوص والتعبير القرائي والكتابي، وذلك لتعزيز المهارات المتقدمة قليلاً مثل الفهم العميق للنصوص القصيرة وتحليلها. 2. عدد التطبيقات ونوعيتها حوالي 60 تمريناً موزعة بين جميع المهارات اللغوية، مع زيادة عدد التطبيقات البلاغية والتعبيرية. 3. توزيع التطبيقات حسب المهارات المهارة النسبة المئوية الهدف التفصيلي القواعد 40% تعزيز القواعد المكتسبة، إضافة تمارين على الأفعال المركبة وأدوات الشرط. القراءة 25% تنمية مهارات الفهم القرائي النقدي والتحليل الجزئي للنصوص. التعبير 20% كتابة فقرات متوسطة الطول، التعبير عن الآراء الشخصية والمواقف اليومية. البلاغة 15% إدخال تمارين على الاستعارات والتشبيهات البسيطة وفهم الرسائل البلاغية. 4. ملاحظات -دخول نصوص أدبية قصيرة لتدريب التلاميذ على التحليل. -زيادة التحدي تدريجياً لمهارات التعبير والتحليل القرائي. ثالثاً: السنة الثالثة متوسط 1. الهدف التربوي تركز السنة الثالثة على تعميق المهارات اللغوية وتحليل النصوص الأدبية والبلاغية بطريقة نقدية، بما يتيح للطالب: -ربط المعرفة بالقواعد والبلاغة والتعبير. -كتابة موضوعات متقدمة تتطلب تفكيراً تحليلياً ومنطقياً. -استيعاب الأساليب البلاغية المعقدة واستخدامها في التعبير الكتابي. 2. عدد التطبيقات ونوعيتها حوالي 70 تمريناً تغطي جميع المهارات بشكل متوازن، مع زيادة نسبة التطبيقات البلاغية والتحليلية. 3. توزيع التطبيقات حسب المهارات المهارة النسبة المئوية الهدف التفصيلي القواعد 25% مراجعة القواعد المتقدمة، مع تمارين على تحليل الجمل المعقدة. القراءة 25% تحليل النصوص الأدبية وفهم المعاني الضمنية. التعبير 25% كتابة مقالات وفقرات متقدمة، التعبير عن الأفكار وتحليل المواقف. 4. ملاحظات -التركيز على التحليل البلاغي والنقدي. -دمج المهارات الأربعة في كل تمرين لضمان التعلم المتكامل. -التمارين تهدف إلى تطوير الاستقلالية اللغوية للطالب، بحيث يمكنه التعامل مع النصوص بشكل نقدي. المطلب الرابع: أمثلة تطبيقية من المناهج 1. تمارين نحوية وصرفية "استخرج من النص كل الأفعال الماضية والمضارعة وحدد نوع الفعل وصيغته." "حدد المبتدأ والخبر في الجمل التالية، واشرح وظيفة كل منهما." "حول الجملة من المضارع إلى الماضي مع الحفاظ على المعنى." 2. تمارين قراءة وفهم "اقرأ النص ثم أجب عن الأسئلة: ما الفكرة الرئيسة؟ ما أبرز التفاصيل؟" "استخرج كلمات مفتاحية من النص توضح الموضوع الأساسي." "صف شخصية البطل في النص مستخدماً الجمل والعبارات المناسبة." 3. تمارين تعبير كتابي "اكتب فقرة قصيرة عن شخصية مشهورة مع توظيف الصفات والأفعال المناسبة." "اكتب موضوعاً عن يوم في حياتك مع مراعاة القواعد النحوية." "صغ فقرة تعبيرية عن أهمية العلم والتعلم مستخدماً أدوات الربط." 4. تمارين بلاغية وأدبية "حلل أسلوب التشبيه في البيت الشعري وحدد عناصره: المشبه، المشبه به، أداة التشبيه." "استخرج الصور البلاغية (الاستعارة، الكناية) في النص واشرح معانيها." "ناقش تأثير الأسلوب البلاغي في توصيل رسالة الكاتب أو الشاعر." 5. أمثلة تطبيقية تفاعلية "قم بعمل حوار قصير بين شخصيتين من النص أمام زملائك." "ناقش مع زميلك فكرة النص وقدم رأيك الشخصي مع أمثلة." "اقسموا الفصل إلى مجموعات واطلبوا من كل مجموعة تلخيص فقرة من النص بأسلوبها الخاص." خاتمة: في ختام هذا البحث، يمكن التأكيد على أن التطبيقات اللغوية في مناهج التعليم المتوسط تشكل عنصراً محورياً في تنمية الكفايات اللغوية للتلاميذ، إذ تربط المعرفة النظرية بالمهارات العملية، وتساعد على تطوير القدرات الأساسية: القراءة، الكتابة، التعبير الشفوي، والتحليل النحوي والبلاغي. و يمكن القول إن التطبيقات اللغوية في مناهج التعليم المتوسط تمثل حجر الأساس في تعليم اللغة العربية، لكنها تحتاج إلى: تدرج منطقي حسب مستويات التلاميذ. تنوع بين التطبيقات الكتابية، الشفوية، والتفاعلية. تطوير استراتيجيات للمعلمين لتعظيم الاستفادة من التطبيقات. عند تحسين هذه النقاط، يمكن للتطبيقات أن تحقق أهدافها التعليمية بالكامل وتضمن تطوير جميع المهارات اللغوية للتلاميذ. قائمة المراجع -الجابري، عبد الله، منهجية تعليم اللغة العربية، دار الفكر، الجزائر، 2018، ص. 45-78. -الزبيري، محمد، التطبيقات اللغوية في مناهج العصر، مطبعة النجاح، تونس، 2019، ص. 50-92. -أبو زيد، عبد الله، آفاق اللغة العربية وتحدياتها التربوية، دار الثقافة، القاهرة، 2017، ص. 120-145. -وزارة التربية الوطنية، كتب اللغة العربية للسنوات الثلاث للتعليم المتوسط، الجزائر، 2023.
نفس الأمر: قراءة تداولية في قصيدة " قراءة تداولية في قصيدة صوت جيش التحرير الوطني لمحمد لعيد آل خليفة" مقدمة: يعد الشعر الجزائري المقاوم من أبرز أشكال التعبير الأدبي التي رافقت الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، إذ تجاوز وظيفته الجمالية ليتحوّل إلى خطاب نضالي وتواصلي أسهم في تعبئة الوعي الجمعي وترسيخ قيم المقاومة والهوية الوطنية. وفي هذا الإطار، برز الشاعر محمد العيد آل خليفة بوصفه أحد أهم الأصوات الشعرية التي واكبت الثورة الجزائرية، وجعلت من القصيدة وسيلة للدفاع عن القضية الوطنية وأداة للتأثير في المتلقي. وتُعدّ قصيدة «صوت جيش التحرير» نموذجًا دالًا على هذا التحول، حيث تجاوزت التعبير الوجداني إلى بناء خطاب شعري مقصدي موجَّه للإقناع بعدالة الكفاح المسلح، وتكريس صورة جيش التحرير رمزًا للبطولة والتضحية. ومن ثمّ، فإن مقاربة النص بعيدًا عن سياقه التواصلي والتاريخي تُفقده كثيرا من دلالاته الوظيفية. وقد أسهمت التداولية، بوصفها من المناهج اللسانية الحديثة، في إعادة قراءة النصوص الأدبية عبر التركيز على مقاصد المتكلم، وسياق الاستعمال، وأفعال القول، وآليات التأثير في المتلقي، مما يجعلها منهجًا مناسبًا لتحليل الخطاب الشعري الثوري القائم على الإقناع والتوجيه. وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة قصيدة «صوت جيش التحرير» مقاربة تداولية منفتحة على الأدوات البلاغية العربية، باعتبارها وسائل تخدم المقصد التداولي، وتسهم في بناء الدلالة وتعزيز الحجاج. ويأتي هذا البحث ضمن الجهود الرامية إلى تجديد قراءة الشعر الجزائري المقاوم في ضوء المناهج اللسانية المعاصرة. انطلاقًا مما سبق، تتمحور إشكالية هذا البحث حول التساؤل الآتي: إلى أيّ مدى أسهمت الآليات التداولية والبلاغية في قصيدة «صوت جيش التحرير» لمحمد العيد آل خليفة في بناء خطاب شعري مقصدي ذي وظيفة تواصلية وحجاجية، يتجاوز البعد الجمالي إلى التأثير في المتلقي وتعبئته وطنيًا؟ المبحث الأول: الأفعال الكلامية في القصيدة بين التداولية والبلاغة المطلب الأول: الأفعال الكلامية الإخبارية ووظيفتها البلاغية تتجلى الأفعال الكلامية الإخبارية (Assertives) بكثافة لافتة في قصيدة «صوت جيش التحرير»، إذ يعتمد الشاعر عليها بوصفها الوسيلة الأساسية لنقل وقائع الثورة الجزائرية وتثبيتها في الوعي الجمعي على أنها حقائق تاريخية منجزة، لا مجرّد احتمالات أو ادعاءات. وتكمن أهمية هذا النوع من الأفعال في الخطاب الثوري في كونه يؤسس لما يمكن تسميته بـالشرعية الخطابية، حيث يُقنع المتلقي بعدالة القضية من خلال عرض الوقائع بوصفها منجزة لا قابلة للإنكار. ويظهر هذا البعد من خلال هيمنة الأفعال الماضية، كما في قوله: «اتخذنا من الجبال قلاعًا» فالفعل «اتخذنا» لا يؤدي وظيفة إخبارية محايدة، بل ينجز فعلًا كلاميًا يتمثل في إثبات القدرة التنظيمية والعسكرية لجيش التحرير. ومن منظور تداولي، فإن المتكلم هنا لا يخبر فحسب، بل يُلزم المتلقي بتقبّل هذه الحقيقة بوصفها واقعًا تاريخيًا. أما بلاغيًا، فإن الأسلوب الخبري يعكس نبرة يقينية تتناسب مع طبيعة الخطاب المقاوم الذي لا يحتمل التردد أو الاحتمال. ويتعزز هذا المعنى في قوله: «دمدم الطبل للنفير فثرنا» «وهززنا الأرض كالزلزال» حيث تتتابع الأفعال الماضية في نسق إنجازي متسارع («دمدم»، «ثرنا»، «هززنا»)، وهو ما يوحي بالحركة الدائمة والفعل المتواصل. وتُسهم هذه السلسلة من الأخبار في بناء صورة جيش التحرير بوصفه قوة فاعلة ومبادِرة، لا مجرد ردّ فعل. كما أن هذا التراكم الإخباري يؤدي بلاغيًا وظيفة التكثيف الدلالي، حيث تتراكم الأفعال لتنتج معنى القوة والهيمنة. ومن الأمثلة الدالة كذلك قوله: «أقمنا دعائم المجد» «وأذقنا الأعداء مرّ النكال» فالأفعال هنا لا تُسند إلى فرد، بل إلى جماعة، وهو ما يعزز الطابع الجماعي للفعل الثوري، ويجعل الخبر أداة لبناء هوية جمعية. وقد أشارت عجال أمال إلى أن هيمنة الأفعال الإخبارية في القصيدة تعبّر عن رغبة الشاعر في تخليد منجزات الثورة وتحويلها إلى مرجعيات يقينية في الذاكرة الوطنية (عجال أمال، 2023، ص 289). ويؤكد عبد القاهر الجرجاني أن الخبر إذا ورد في سياق يقتضي التوكيد انتقل من مجرد الإخبار إلى التأثير والإلزام، وهو ما يتحقق بوضوح في هذا النص (الجرجاني، 2005، ص 73). المطلب الثاني: الأفعال الكلامية التوجيهية وأبعادها البلاغية إلى جانب الأفعال الإخبارية، تحضر الأفعال الكلامية التوجيهية (Directives) بوصفها آلية تداولية تهدف إلى تحريك المتلقي ودفعه إلى التفاعل والمشاركة. ويتميّز الخطاب الشعري الثوري بكثرة هذا النوع من الأفعال، لأنه لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يسعى إلى توجيه السلوك وبناء المواقف. ومن أبرز الأمثلة قوله: «إيهِ يا دولة الجزائر لبّي نداءنا للمعالي فواليكِ» فالنداء هنا لا يُقصد به معناه الحرفي، لأن «الدولة» كيان معنوي، مما يدل على أن الخطاب موجّه ضمنيًا إلى الشعب الجزائري. ومن منظور تداولي، يُعد هذا مثالًا واضحًا على الفعل الكلامي غير المباشر، حيث يُستعمل النداء لتحقيق غاية توجيهية تتمثل في الحثّ على الالتفاف حول الثورة. أما من الناحية البلاغية، فإن هذا الأسلوب يندرج ضمن المجاز المرسل، علاقته المحلية، إذ أُطلق المحل (الدولة) وأُريد الحالّ فيه (الشعب) (أبو العدوس، 2007، ص 132). وتكمن قيمة هذا الأسلوب في قدرته على الجمع بين الإيحاء البلاغي والفاعلية التداولية. ويتكرر التوجيه كذلك في قوله: «نقرع السمع بالصدى» فالفعل «نقرع» يحمل دلالة تنبيهية قوية، وكأن الشاعر يسعى إلى إيقاظ المتلقي من حالة اللامبالاة، ودفعه إلى الإصغاء للخطاب الثوري. ويؤدي هذا التعبير وظيفة تداولية تتمثل في استثارة الانتباه، ووظيفة بلاغية تتمثل في تجسيد المعنى عبر الصورة. كما يظهر التوجيه في صيغة الحثّ الجماعي من خلال ضمير الجمع، مثل: «نحن جيش التحرير» وهو تصريح يحمل في طياته دعوة ضمنية إلى الانضمام إلى هذه الجماعة أو تأييدها، وهو ما يمنح الخطاب بعدًا تعبويًا واضحًا. المطلب الثالث: الأفعال التعبيرية والتكثيف البلاغي تُعدّ الأفعال الكلامية التعبيرية (Expressives) من أكثر الأفعال حضورًا في المقاطع التي يغلب عليها الفخر والاعتزاز والانتصار. وهي أفعال تعبّر عن الحالة النفسية للمتكلم، لكنها في هذا النص لا تعبّر عن ذات فردية، بل عن وجدان جماعي. ويتجلى ذلك بوضوح في قوله: «نحن جيش التحرير جند النضال نحن أسد الفدى نمور النزال» فالتكرار التداولي للضمير «نحن» يؤدي وظيفة إدماجية، حيث يذيب المسافة بين المتكلم والمتلقي، ويحوّل الخطاب إلى خطاب جماعي تشاركي. ومن الناحية البلاغية، يقوم التشبيه البليغ («أسد»، «نمور») بتكثيف صورة البطولة، إذ حُذفت أداة التشبيه ووجه الشبه، مما زاد الصورة قوة وتأثيرًا (ابن زروق، 2010، ص 245). ويتأكد هذا البعد التعبيري في قوله: «فزنا جميعًا» «وانتصرنا» حيث تعبّر هذه الصيغ عن نشوة الانتصار، لكنها في الوقت نفسه تؤدي وظيفة تداولية تتمثل في رفع الروح المعنوية لدى المتلقي، وتحفيزه على مواصلة الدعم والمساندة. المبحث الثاني: المقصدية، الاستلزام الحواري، والحجاج يُعدّ هذا المبحث من أهم محاور التحليل التداولي، إذ ينتقل من مستوى البنية اللغوية الظاهرة إلى مستوى النية الخطابية والمعنى المقصود، وما ينتج عنه من أفعال تأثيرية وحجاجية، فقصيدة «صوت جيش التحرير» لا تقوم على الإخبار فقط، بل تؤسس خطابا مقصديا موجَّها، يتوسل بالاستلزام الحواري والحجاج لإقناع المتلقي بعدالة الثورة، وبناء موقف داعم لها. المطلب الأول: المقصدية التداولية في الخطاب الشعري تُعدّ المقصدية من الركائز الأساسية في التداولية، إذ لا يمكن فهم الخطاب فهمًا صحيحًا إلا باستحضار نية المتكلم وسياق التلفظ. فالقول، في التصور التداولي، ليس مجرد تركيب لغوي، بل فعل يُنجز داخل وضعية تواصلية محددة. وفي هذا الإطار، لا تُقرأ قصيدة «صوت جيش التحرير» بوصفها نصًا وجدانيًا محضًا، بل خطابًا شعريًا ذا مقاصد سياسية ووطنية واضحة. أولا: المقصد التمجيدي من أبرز مقاصد الشاعر تمجيد جيش التحرير الوطني، ورفعه إلى مصاف الرمز الجمعي المقدّس، ويتجلى ذلك في قوله: «نحن جيش التحرير جند النضال» فهذا القول لا يهدف إلى التعريف فحسب، بل إلى تثبيت هوية خطابية تجعل من جيش التحرير المرجعية الوحيدة للنضال. ومن منظور تداولي، فإن الشاعر يُنجز هنا فعلًا إنجازيًا يتمثل في منح الشرعية والاعتراف، لا مجرد الوصف. ويتكرر هذا القصد في قوله: «نحن أسد الفدى نمور النزال» حيث تُسهم الصيغة الاسمية والتشبيه البليغ في ترسيخ صورة البطولة في ذهن المتلقي، وهو ما يخدم المقصد التمجيدي ويقوّي أثره النفسي. ثانيا: مقصد تثبيت الذاكرة الوطنية يسعى الشاعر إلى تخليد منجزات الثورة وتحويلها إلى ذاكرة جمعية، وهو مقصد تداولي واضح، يظهر في كثافة الأفعال الماضية، مثل: - «اتخذنا من الجبال قلاعًا» - «دمدم الطبل للنفير فثرنا» - «أذقنا الأعداء مرّ النكال» فهذه الأفعال لا تُستعمل لاستحضار الماضي فقط، بل لتأكيد استمرارية الأثر، وكأن الشاعر يخاطب الحاضر والمستقبل معًا. ومن ثمّ، فإن المقصد هنا يتجاوز الزمن اللغوي إلى زمن الذاكرة. ثالثا: مقصد تفنيد الخطاب الاستعماري يُفهم الخطاب الشعري كذلك بوصفه ردًّا ضمنيًا على الدعاية الاستعمارية التي وصفت المجاهدين بـ«العصابات». ويتجلّى هذا القصد في قوله: «أذقنا الأعداء مرّ النكال» فهذا القول لا يُفهم بوصفه تباهيًا فقط، بل بوصفه تفنيدًا ضمنيًا لخطاب القوة الاستعمارية، وإثباتًا عمليًا لعكس ما ادّعته. وهنا تتحقق المقصدية عبر المواجهة الخطابية غير المباشرة. المطلب الثاني: الاستلزام الحواري وبناء المعنى الضمني يُعدّ الاستلزام الحواري من أهم آليات التداولية، إذ يسمح بتجاوز المعنى الحرفي إلى معنى مقصود يُفهم من السياق. وتكاد قصيدة «صوت جيش التحرير» تقوم في كثير من مقاطعها على هذا النوع من الدلالة. أولا: الاستلزام عبر الصورة الشعرية يتجلى ذلك في قوله: «وهززنا الأرض كالزلزال» فالمعنى الحرفي يوحي بهزّ الأرض، وهو أمر غير مقصود، لكن السياق الثوري يجعل المتلقي يستنتج أن المقصود هو زعزعة الوجود الاستعماري سياسيًا وعسكريًا. وهنا يتحقق الاستلزام الحواري، حيث يُستنتج المعنى الحقيقي دون تصريح (صلاح فضل، 1998، ص 21). ثانيا: الاستلزام عبر النداء يظهر الاستلزام بوضوح في قوله: «إيهِ يا دولة الجزائر لبّي نداءنا» فالنداء موجّه ظاهرًا إلى «الدولة»، لكنه في العمق موجّه إلى الشعب الجزائري. ويستنتج المتلقي هذا المعنى انطلاقًا من معرفته بالسياق، وهو ما يجعل القول مثالًا صريحًا على الفعل الكلامي غير المباشر. ثالثًا: الاستلزام عبر التكرار يتجلى الاستلزام كذلك في التكرار المقصود للضمير «نحن»، كما في: «نحن جيش التحرير» «نحن أسد الفدى» فالتكرار هنا لا يؤدي وظيفة تأكيدية فحسب، بل يستلزم معنى ضمنيًا مفاده أن الانتماء إلى هذا “النحن” واجب وطني، وهو معنى لا يُصرَّح به، لكنه يُستنتج من السياق. المطلب الثالث: الحجاج التداولي والبلاغي في القصيدة يقوم الخطاب الشعري في «صوت جيش التحرير» على بنية حجاجية واضحة، تهدف إلى الإقناع وبناء المواقف، لا الاكتفاء بالتأثير العاطفي. أولا: الحجاج العاطفي يتحقق الحجاج العاطفي عبر الصور البلاغية القوية، مثل التشبيه والاستعارة، كما في قوله: «نحن أسد الفدى نمور النزال» فهذه الصورة تثير مشاعر الفخر والعزة، وتُقنع المتلقي بعدالة القضية عبر التأثير الوجداني، وهو نوع من الحجاج يعتمد على الانفعال لا البرهنة المنطقية. ثانيا: الحجاج التاريخي يقوم هذا النوع من الحجاج على استحضار الوقائع، كما في قوله: «اتخذنا من الجبال قلاعًا» فالشاعر يستند إلى واقع معروف في حرب التحرير، حيث كانت الجبال قواعد فعلية للمجاهدين. وهذا يمنح الخطاب مصداقية تاريخية تُقوّي أثره الإقناعي. ثالثا: الحجاج عبر الاستعارة يظهر هذا النوع في قوله: «أذقنا الأعداء مرّ النكال» فالاستعارة التصريحية هنا لا تزيّن القول فحسب، بل تؤدي وظيفة حجاجية، إذ تُصوّر العدو في موقع المتلقي للألم والعقاب، مما يعزز قناعة المتلقي بانتصار الثورة (أبو العدوس، 1997، ص 264). المبحث الثالث: البنية البلاغية في خدمة التداولية في قصيدة «صوت جيش التحرير» تُبرز القراءة التداولية الحديثة أن البنية البلاغية في الخطاب الشعري ليست عنصرًا زخرفيًا أو جماليًا فحسب، بل آلية وظيفية تُسهم في إنجاز المقاصد الخطابية، وتوجيه المتلقي، وبناء الأثر الإقناعي. وانطلاقًا من هذا التصور، تتجاوز البلاغة في قصيدة «صوت جيش التحرير» حدود التصوير والتخييل لتتحول إلى أداة تداولية فعّالة تخدم المقصد الثوري للنص، وتسهم في ترسيخ المعاني الوطنية عبر الدلالة غير المباشرة والتأثير النفسي. المطلب الأول: التشبيه والاستعارة ودورهما التداولي أولًا: التشبيه بوصفه آلية تداولية يُعدّ التشبيه من أكثر الأساليب البلاغية حضورًا في القصيدة، لما له من قدرة على تقريب المعنى المجرد إلى ذهن المتلقي، وتكثيف الدلالة التأثيرية. ومن أبرز الأمثلة قول الشاعر: «نحن أسد الفدى نمور النزال» فالتشبيه هنا بليغ، حُذفت فيه الأداة ووجه الشبه، مما أكسبه قوة دلالية عالية. ومن منظور تداولي، لا يهدف هذا التشبيه إلى الوصف فحسب، بل إلى إنجاز فعل إقناعي يتمثل في زرع صورة البطولة في وعي المتلقي، ودفعه إلى تبنّي موقف داعم للثورة. ويتعزز هذا الدور التداولي حين يُفهم التشبيه في سياق الخطاب الثوري، إذ يتحول الحيوان المفترس إلى رمز للقوة والشجاعة، وهي معانٍ مشتركة ثقافيًا، ما يسهل عملية التأويل ويقوّي الأثر الإنجازي للقول (الجرجاني، 2005، ص 101). ثانيًا: الاستعارة وتحويل المعنى إلى فعل تلعب الاستعارة دورًا تداوليًا أعمق من التشبيه، لأنها تُنتج دلالة غير مباشرة تتطلب من المتلقي جهدًا تأويليًا. ويتجلى ذلك في قول الشاعر: «وهززنا الأرض كالزلزال» فالاستعارة هنا لا تُحيل إلى فعل مادي حقيقي، بل تُنجز فعلًا تداوليًا يتمثل في إيصال رسالة القوة والتغيير الجذري. ويُستنتج المعنى الحقيقي عبر السياق، مما يجعل الاستعارة وسيلة مثالية لتحقيق الاستلزام الحواري. كما تظهر الاستعارة المكنية في قوله: «نقرع السمع بالصدى» إذ شبّه السمع بباب يُقرع، وحُذف المشبّه به ورُمز إليه بالفعل «نقرع». وبلاغيًا، تُحدث هذه الصورة صدمة سمعية، بينما تداوليًا تُنجز فعل التنبيه والإيقاظ، وكأن الشاعر يُوقظ وعي المتلقي من الغفلة (الجرجاني، 2005، ص 95). المطلب الثاني: الكناية والمجاز وبناء الدلالة غير المباشرة أولًا: الكناية بوصفها أداة تداولية تُعدّ الكناية من أكثر الأساليب البلاغية انسجامًا مع التصور التداولي، لأنها تقوم على الإيحاء لا التصريح، وتتيح للمتلقي استنتاج المعنى المقصود دون الإخلال بالوظيفة التأثيرية. ويتجلى ذلك في قول الشاعر: «واستقلت بوحدة الأوطان» فهو لا يصرّح بالتحرر السياسي، بل يكني عنه بالاستقلال والوحدة. وتداوليًا، تُسهم هذه الصيغة في تعزيز الإجماع الوطني، لأنها تتجنب المباشرة الصدامية، وتُبقي المعنى مفتوحًا على التأويل الإيجابي (ابن خلكان، د.ت، ص 76). ثانيًا: المجاز المرسل ووظيفته الحجاجية يظهر المجاز المرسل في القصيدة بوصفه أداة حجاجية تُكثف المعنى وتختصر الخطاب. ومن ذلك قوله: «إيهِ يا دولة الجزائر لبّي نداءنا» فقد أُطلق المحل (الدولة) وأُريد الحالّ فيه (الشعب)، وهي علاقة محلية معروفة في البلاغة العربية. ومن منظور تداولي، يسمح هذا الأسلوب بتوجيه الخطاب إلى جماعة واسعة دون تحديد مباشر، مما يُكسب القول طابعًا جماعيًا شاملاً (أبو العدوس، 2007، ص 132). المطلب الثالث: التكرار، الإيقاع، والصيغة في خدمة الفعل التداولي أولًا: التكرار وبناء الهوية الجماعية يتكرر الضمير «نحن» في القصيدة بشكل لافت، كما في: «نحن جيش التحرير»/ «نحن أسد الفدى» وهذا التكرار لا يُفهم بوصفه حشوًا لفظيًا، بل بوصفه آلية تداولية لبناء هوية جماعية مشتركة، تُذيب الفوارق بين المتكلم والمتلقي، وتُدرجه ضمن الفعل الثوري. ثانيًا: الإيقاع ودوره التأثيري يسهم الإيقاع الشعري في تعزيز الأثر التداولي، إذ تُؤدي القافية الموحدة والبحر الحماسي إلى تثبيت الخطاب في الذاكرة السمعية للمتلقي، مما يسهّل عملية الاستدعاء والترديد، وهو أمر بالغ الأهمية في الخطاب التعبوي. ثالثًا: الصيغة النحوية وتحقيق الفعل الإنجازي تُسهم الصيغ الاسمية والفعلية في توجيه الدلالة التداولية، فالصيغة الاسمية، كما في: «نحن جيش التحرير» تفيد الثبوت والاستمرار، بينما تُسهم الصيغة الفعلية الماضية في ترسيخ الحدث بوصفه منجزًا، لا قابلًا للتشكيك. خاتمة : ختامًا، يمكن القول إن دراسة القصيدة من منظور التداولية قد أظهرت الأبعاد المتعددة التي تحملها نصوص محمد لعيد آل خليفة، والتي تتجاوز المعنى الظاهري لتصل إلى مستويات التواصل والتأثير بين الشاعر والقارئ والمجتمع. لقد أبرزت هذه القراءة التداولية كيف أن الشاعر لم يكتفِ بتجسيد صورة جيش التحرير الوطني كرمز للنضال والتحرير، بل وظف اللغة والأساليب البلاغية ليخلق فضاء تواصليًا يشارك فيه المتلقي بشكل فعال، مما يجعل النص ليس مجرد شهادة تاريخية بل تجربة ذهنية وعاطفية مشتركة. كما أظهر البحث أن استعمال الشاعر للصور البيانية، والتكرار، والإيقاع، والرموز الوطنية، يعزز من قدرة النص على التفاعل مع المتلقي وتحفيز مشاعر الانتماء والفخر والمقاومة، وهو ما يعكس الوظيفة التداولية للقصيدة في السياق الوطني. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار هذه القراءة التداولية نافذة لفهم العلاقة بين النص الأدبي وسياقه الاجتماعي والسياسي، وكذلك دور الشعر في صياغة الوعي الجماعي وبناء الهوية الوطنية. قائمة المراجع: -الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز. تحقيق علي محمد زبير، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2005. -أنيس، إبراهيم. موسيقى الشعر. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1952. -أبو العدوس، يوسف. مدخل إلى البلاغة العربية. دار المسيرة، عمّان، 2007. -فضل، صلاح. نظرية البنائية في النقد الأدبي. دار الشروق، القاهرة، 1998. -ابن زروق، نصر الدين. البنى الأسلوبية في شعر محمد العيد آل خليفة. دار الهدى، عين مليلة، 2010. -عجال، أمال. البنيات الأسلوبية في قصيدة «صوت جيش التحرير». مجلة اللغة الوظيفية، العدد السابع، 2023.
NomE-mailMessage