التعليق على نص المادة 17 من القانون المدني الجزائري
تعليق على نص المادة 17 مكرر من القانون المدني الجزائري
مقدمة
تُعدّ الأموال المعنوية من أهم موضوعات القانون المدني المعاصر، نظراً لارتباطها الوثيق بالملكية الفكرية والصناعية والتجارية، وما يترتب عليها من آثار اقتصادية وقانونية واسعة في العلاقات الداخلية والدولية. وقد تدخل المشرع الجزائري لحسم الإشكال المتعلق بالقانون الواجب التطبيق على هذه الأموال من خلال استحداث المادة 17 مكرر بموجب القانون رقم 05-10 المؤرخ في 20 جوان 2005، وذلك في إطار قواعد تنازع القوانين من حيث المكان.
يهدف هذا التعليق إلى تحليل نص المادة 17 مكرر تحليلاً شكلياً وموضوعياً، وبيان فلسفة المشرع الجزائري في تحديد ضابط الإسناد المناسب للأموال المعنوية المنقولة.
أولاً: التحليل الشكلي للنص
1- طبيعة النص
النص محل التعليق هو نص تشريعي وارد ضمن القانون المدني الجزائري، وتحديداً المادة 17 مكرر التي تنص على:
"يسري على الأموال المعنوية قانون محل وجودها وقت تحقق السبب الذي ترتب عليه كسب الحيازة أو الملكية أو الحقوق العينية الأخرى أو فقدها...".
2- موقع النص القانوني
وردت المادة 17 مكرر ضمن الأمر رقم 75-58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 المتضمن القانون المدني، المعدل والمتمم، وذلك في:
الكتاب الأول: الأحكام العامة
الباب الأول: آثار القوانين وتطبيقها
الفصل الثاني: تنازع القوانين من حيث المكان
3- البناء المطبعي
جاءت المادة 17 مكرر في ست فقرات، تناولت القاعدة العامة ثم حدّدت على سبيل التفصيل محل وجود كل نوع من أنواع الأموال المعنوية:
الفقرة الأولى: القاعدة العامة (قانون موقع المال)
الفقرة الثانية: الملكية الأدبية والفنية
الفقرة الثالثة: براءة الاختراع
الفقرة الرابعة: الرسم والنموذج الصناعيان
الفقرة الخامسة: العلامة التجارية
الفقرة السادسة: الاسم التجاري
4- البناء اللغوي والنحوي
استعمل المشرع مصطلحات قانونية دقيقة مثل: الأموال المعنوية، الحقوق العينية، الملكية الأدبية والفنية، براءة الاختراع، العلامة التجارية، الاسم التجاري، وهو ما يعكس الطابع التقني المتخصص للنص.
5- البناء المنطقي
اعتمد المشرع أسلوباً منطقياً متدرجاً، إذ قرر في البداية القاعدة العامة المتمثلة في خضوع المال المعنوي لقانون موقعه، ثم انتقل إلى تحديد هذا الموقع تحديداً حكمياً لكل نوع من الأموال المعنوية، تفادياً للغموض وصعوبة التكييف.
ثانياً: التحليل الموضوعي للنص
1- مضمون المادة 17 مكرر
تُخضع المادة 17 مكرر الأموال المعنوية المنقولة إلى قانون محل وجودها وقت كسب الحق أو فقدانه، ثم تحدد على وجه الدقة محل وجود كل مال معنوي، على النحو الآتي:
الملكية الأدبية والفنية: مكان النشر الأول أو الإنجاز.
براءة الاختراع: البلد الذي منح البراءة.
الرسم والنموذج الصناعيان: بلد التسجيل أو الإيداع.
العلامة التجارية: منشأة الاستغلال.
الاسم التجاري: بلد المقر الرئيسي للمحل التجاري.
2- الإشكالية
يثير النص الإشكالية التالية:
ما هو القانون الواجب التطبيق على الأموال المعنوية المنقولة في إطار تنازع القوانين؟
3- خطة الدراسة
المبحث الأول: مفهوم المال المعنوي المنقول وقاعدة موقع المال
المبحث الثاني: القانون الواجب التطبيق على المنقول المعنوي
المبحث الأول: مفهوم المال المعنوي المنقول وقاعدة موقع المال
المطلب الأول: تعريف المنقول المعنوي
المنقول المعنوي هو مال غير مادي لا يقع تحت الحس، لكنه يصلح لأن يكون محلاً للحق، مثل حقوق المؤلف، وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، والرسوم والنماذج الصناعية، إضافة إلى الحقوق الشخصية كالدين.
المطلب الثاني: نشأة قاعدة قانون موقع المال
تعود جذور قاعدة قانون موقع المال إلى الفقه الوسيط، وتطورت عبر إسهامات فقهية متعددة (بارتول، دارجنتيه، مانشيني، سافيني)، إلى أن أصبحت قاعدة شبه عالمية، تقوم على اعتبارات استقرار المعاملات، وحماية الغير، وسيادة الدولة، والاختصاص القضائي.
المبحث الثاني: القانون الواجب التطبيق على المنقول المعنوي
المطلب الأول: القانون الذي يحكم المال المعنوي
قبل تعديل 2005، لم يكن المشرع الجزائري قد حسم مسألة القانون الواجب التطبيق على الأموال المعنوية، غير أن المادة 17 مكرر جاءت لسد هذا الفراغ، بإخضاعها لقانون موقع المال مع وضع معايير خاصة لتحديد هذا الموقع.
المطلب الثاني: حكم الملكية الأدبية والفكرية
الفرع الأول: القانون الواجب التطبيق على حق المؤلف
في حالة النشر: يثور الخلاف بين تطبيق قانون بلد النشر الأول أو قانون بلد الحماية.
في حالة عدم النشر: يُرجّح تطبيق القانون الشخصي للمؤلف.
في حالة النشر في أكثر من دولة: تتعدد الحلول، بين قانون أقصر مدة حماية أو قانون النشر الرئيسي.
الفرع الثاني: القانون الواجب التطبيق على الملكية الصناعية والتجارية
براءة الاختراع: يخضع قانون الدولة التي منحت البراءة، انسجاماً مع مبدأ إقليمية البراءات.
الرسوم والنماذج الصناعية: يخضع قانون بلد التسجيل أو الإيداع.
العلامة التجارية: يرتبط قانونها بمنشأة الاستغلال أو بلد التسجيل حسب النظام المعتمد.
المحل التجاري: يخضع لقانون مقرّه الرئيسي، مع خضوع بعض المسائل لقانون الإرادة أو قانون القاضي.
خاتمة
يتضح من خلال تحليل المادة 17 مكرر أن المشرع الجزائري قد وُفّق في معالجة الإشكال المتعلق بتحديد القانون الواجب التطبيق على الأموال المعنوية، من خلال الإبقاء على قاعدة قانون موقع المال، مع تكييفها بما يتلاءم مع الطبيعة غير المادية لهذه الأموال. وقد ساهم هذا التعديل في تحقيق الأمن القانوني واستقرار المعاملات، وتقليص الخلاف الفقهي والقضائي الذي كان قائماً قبل سنة 2005.
التعليق على نص المادة 17 من القانون المدني الجزائري
تعليقات
إرسال تعليق