أثر البرامج التدريبية على تحسين مهارات الموارد البشرية في المؤسسة العمومية
أثر البرامج التدريبية على تحسين مهارات الموارد البشرية في المؤسسة العمومية
تمهيد
تُعد الموارد البشرية من أهم أصول المؤسسات الحديثة، إذ تعتمد جودة الأداء المؤسسي بشكل كبير على كفاءة ومهارات الأفراد العاملين. ومع التغيرات السريعة في بيئة العمل، وتطور التكنولوجيا وأساليب الإدارة، أصبح تطوير مهارات الموظفين ضرورة حتمية لضمان مواكبة هذه التحولات وتحقيق التميز المؤسسي.
ومن أبرز الوسائل لتحقيق هذا الهدف هي البرامج التدريبية، والتي تُعتبر استثمارًا استراتيجيًا في العنصر البشري. تهدف هذه البرامج إلى تنمية القدرات الفنية والسلوكية والإدارية للعاملين، بما ينعكس إيجابًا على أدائهم الفردي والجماعي، وبالتالي على تحقيق الأهداف العامة للمؤسسة. وقد أثبتت الدراسات أن التدريب الفعّال يسهم في تحسين جودة العمل، وزيادة الرضا الوظيفي، وتعزيز القدرة على الابتكار وحل المشكلات.
في هذا الفصل، سنتناول الجانب النظري للبرامج التدريبية وتحسين مهارات الموارد البشرية، عبر استعراض الإطار المفاهيمي لكل منهما، وتحليل دور هذه البرامج في تطوير كفاءات العاملين، وتحديد العوامل المؤثرة في فعاليتها وفق أحدث التوجهات في إدارة الموارد البشرية.
المبحث الأول: مدخل عام حول البرامج التدريبية
يُعد التدريب ركيزة أساسية لتطوير الموارد البشرية وتحسين الأداء المؤسسي. فهو عملية منظمة تهدف إلى تنمية معارف ومهارات واتجاهات الأفراد بما يتماشى مع متطلبات العمل.
في هذا المبحث، سنتعرف على مفهوم التدريب وأهدافه وأنواعه، بالإضافة إلى أهميته في تعزيز كفاءة العاملين وتحقيق الفاعلية التنظيمية.
المطلب الأول: ماهية التدريب
أ. التطور التاريخي للتدريب
-
التدريب في الحضارات القديمة:
التدريب موجود منذ القدم، حيث كان يتم نقل المهارات من فرد خبير إلى مبتدئ من خلال التأهيل العملي المباشر، وليس عن طريق القراءة والكتابة. مثال ذلك تدريب الصبية على الحرف تحت إشراف صانع ماهر، ما أسس لنظام الحرف اليدوية قبل عام 2100 ق.م وفق شريعة حمورابي. (غريب وبراهمية، 2024، ص 36-38) -
التدريب في الإسلام:
أولى الإسلام اهتمامًا كبيرًا بتدريب العاملين وتنمية قدراتهم على العمل العام، حيث كان الرسول ﷺ يوجه ويعلم موظفيه وأصحابه على مهامهم ويستشيرهم لاختيار الأنسب لتولي المسؤوليات، كما حرص الخلفاء على تنظيم مؤتمرات التدريب السنوية والتوجيهات المكتوبة للولاة. (محيرق، 2013، ص 14) -
التدريب في عصر النهضة الصناعية:
مع الثورة الصناعية، تحولت المجتمعات الزراعية إلى صناعية، مما استلزم تدريب العاملين على استخدام الآلات والتقنيات الحديثة. كما أثرت الحروب العالمية على تطوير برامج تدريبية إدارية وفنية لمواكبة متطلبات الإنتاج. (غريب وبراهمية، 2024، ص 38؛ محيرق، 2013، ص 15)
ب. تعريف التدريب
عرفه أحمد زكي بدوي بأنه "وسيلة تمكين الأفراد من أداء العمل المطلوب بكفاءة عالية وتنمية المهارات اللازمة لمزاولة مهنة معينة" (بدوي، 1988، ص 366).
كما عرفه محمد صالح فالح بأنه وسيلة تزويد العاملين بالمعارف والمهارات بهدف رفع الكفاءة وزيادة الفعالية (صقر عاشور، 1983، ص 487).
ج. أهمية التدريب وأهدافه
أهمية التدريب:
-
مواكبة التطورات التكنولوجية.
-
ضمان إتقان الوظائف والاستقرار الوظيفي.
-
تحسين الرضا الوظيفي وتحفيز الأداء.
-
تطوير القدرات الإدارية والقيادية.
-
تقليل الأخطاء وزيادة الإنتاجية. (عليوة، 2001، ص 12؛ بسيوني، 2005، ص 47)
أهداف التدريب:
-
تحسين أداء العاملين وزيادة كفاءتهم.
-
تأهيل العاملين للوظائف المستقبلية والترقيات.
-
رفع الروح المعنوية وتحقيق الأمن الوظيفي.
-
تمكين الموظفين من حل المشكلات وتطبيق أساليب علمية فعّالة. (مصطفى كامل، 1994، ص 304)
المطلب الثاني: البرامج التدريبية
أ. تعريف البرامج التدريبية
هي نشاط يختار فيه محتوى البرنامج، وأهدافه، وأساليبه، والوسائل التقنية المستخدمة، إلى جانب اختيار المدربين والمتدربين، بهدف تنمية الموارد البشرية وتحقيق أهداف الفرد والمؤسسة. (قاسم جميل، 1999، ص 99؛ ياغي، 1996، ص 121)
ب. أهمية ومبادئ البرامج التدريبية
أهمية البرامج التدريبية:
-
رفع الكفاءة المهنية وتحسين الأداء.
-
التكيف مع التغيرات والتطورات الحديثة.
-
تعزيز الدافعية والانتماء للمؤسسة.
-
تطوير القدرات القيادية وتقليل الأخطاء. (أبو النصر، 2009، ص 156)
مبادئ البرامج التدريبية:
-
تحديد الاحتياجات بوضوح.
-
تحديد الأهداف بدقة وقابلية القياس.
-
مراعاة الفروق الفردية للمتدربين.
-
الدمج بين الجانب النظري والتطبيقي.
-
استمرارية التقييم والمرونة. (أحمد الطعاني، 2007، ص 237)
ج. أنواع البرامج التدريبية
-
حسب مرحلة التوظيف: قبل التوظيف، أثناء العمل.
-
حسب مكان التنفيذ: في موقع العمل، في مراكز التدريب، في الجامعات والمعاهد.
-
حسب عدد المتدربين: فردي وجماعي.
-
حسب المحتوى: إداري، إشرافي، تخصصي.
-
حسب المدة الزمنية: قصيرة، متوسطة، طويلة. (عبد الباقي، 2002، ص 222-223)
د. المشكلات التي تواجه البرامج التدريبية
التدريب التقليدي غالبًا ما يعاني من قصور بسبب:
-
أساليب تعليمية قديمة وغير فعّالة.
-
ضعف قدرات المدربين وتصميم البرامج.
-
استهلاك الوقت والتكاليف العالية.
-
صعوبة تقييم النتائج وتطبيق المهارات المكتسبة. (قوفي، 2017، ص 85؛ جاد الرب، 2010، ص 85)
المبحث الثاني: الإطار النظري لمهارات الموارد البشرية
المطلب الأول: ماهية المهارات البشرية
تمثل المهارات البشرية القدرات الشخصية والاجتماعية للفرد، مثل التواصل، العمل الجماعي، إدارة الوقت، وحل المشكلات، والتي تُعد ضرورية لتحقيق النجاح في بيئات العمل الحديثة.
أ. تعريف المهارات البشرية
عرفها عطاء الله الشرعة بأنها "القدرة على استغلال الطاقات العقلية والحركية بفاعلية ودقة" (2015، ص 170)، بينما يرى المنصور كاسر أنها تمثل "السرعة والدقة والبراعة في أداء النشاط" (2003، ص 83).
ب. أنواع المهارات وخصائصها
أنواع المهارات:
-
مهارات فكرية: تعتمد على التفكير النظري والتحليل.
-
مهارات يدوية: تعتمد على التطبيق العملي والتقنيات الفنية.
-
مهارات عامة ومتخصصة: تختلف حسب مستوى العمل وطبيعته.
خصائص المهارات البشرية:
-
مرتبطة بالجانب المهني والإنساني معًا.
-
مرنة وقابلة للتكيف مع المواقف المختلفة.
-
تهدف إلى تحقيق أهداف المؤسسة وتعزيز الأداء.
ج. اكتساب وتنمية المهارات
يتم عبر التعليم، التدريب، التجربة العملية، والتغذية الراجعة، مع مراعاة شروط مثل الرغبة، القدرات العقلية والجسدية، والقدرة على التطبيق العملي. (محمود عبد الرحمن، 2004، ص 166-167)
مستويات تطوير المهارة:
-
اكتساب المهارة: تعلم الإجراءات والخطوات.
-
كفاءة المهارة: أداء الإجراءات بشكل جيد.
-
إتقان المهارة: الأداء بكفاءة عالية عبر الممارسة المستمرة.
المطلب الثاني: إدارة الموارد البشرية
إدارة الموارد البشرية هي الركيزة الأساسية لتنظيم العنصر البشري داخل المؤسسة، وتشمل التخطيط، التوظيف، التدريب، التحفيز، وتقييم الأداء لضمان الاستخدام الأمثل للطاقات البشرية وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسة.
أ. تعريف إدارة الموارد البشرية
هي "مجموعة الأنشطة الإدارية المتعلقة بحصول المنظمة على احتياجاتها من الموارد البشرية وتطويرها وتحفيزها والحفاظ عليها لتحقيق أهداف المنظمة بكفاءة وفعالية" (جمال الدين مرسي، ص 16؛ مطر الهيتي، 2005، ص 28).
ب. التطور التاريخي لإدارة الموارد البشرية
ترجع جذور إدارة الموارد البشرية الحديثة إلى الثورة الصناعية، حيث ظهرت الحاجة إلى وجود موارد بشرية متخصصة لرعاية شؤون الفرد في المؤسسة، مرورًا بمراحل تطويرية مهمة حتى بداية القرن الواحد والعشرين.
كاتب المقالة: دحومي صلاح الدين
كتبه: [دحومي صلاح الدين]

تعليقات
إرسال تعليق