التدخل المهني
التدخل المهني في الخدمة الاجتماعية
دراسة نظرية تطبيقية موجهة لطلبة الليسانس
مقدمة:
يشهد العالم المعاصر تحولات اقتصادية وتكنولوجية وثقافية واجتماعية متسارعة، تركت آثارًا عميقة على حياة الإنسان وبنية المجتمع، وأدت إلى بروز العديد من المشكلات الاجتماعية المعقدة والمتشابكة. وأمام هذه التغيرات، برزت الحاجة الملحّة إلى التدخل المهني بوصفه مدخلًا علميًا ومنهجيًا للتعامل مع هذه المشكلات، سواء بالحدّ من آثارها أو معالجتها أو الوقاية منها.
وتُعد الخدمة الاجتماعية من أبرز المهن الإنسانية التي تتولى هذا الدور، إذ تعتمد في ممارستها على نماذج وأساليب تدخل مهنية منظمة، تستند إلى أسس علمية وقيم إنسانية، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين الإنسان وبيئته الاجتماعية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة التدخل المهني باعتباره جوهر الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية.
وانطلاقًا مما سبق، تطرح هذه الدراسة الإشكالية الآتية:
ما هي مكونات التدخل المهني في الخدمة الاجتماعية؟
المبحث الأول: الحاجة إلى وجود تدخل مهني
أولًا: الاحتياجات الإنسانية والمجتمع الإنساني
يتفق علماء الاجتماع على أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يستطيع إشباع احتياجاته الأساسية بمعزل عن الآخرين. وتتسم الاحتياجات الإنسانية بخصائص متعددة، من أهمها: التعدد، التنوع، والنسبية، وهو ما يدفع الأفراد إلى التجمع داخل إطار اجتماعي منظم يضمن إشباع هذه الاحتياجات.
ولا يمكن أن يتم هذا التجمع الإنساني بصورة عشوائية، بل لا بد من وجود تنظيم يحكم العلاقات والتفاعلات بين الأفراد، وهو ما يُعرف بعملية التنظيم الاجتماعي.
ثانيًا: عملية التنظيم الاجتماعي
ترتبط عملية التنظيم الاجتماعي بالسلوك الجمعي، ويمكن تناولها من خلال جانبين أساسيين:
1. الجانب التفاعلي
بمجرد تجمع الأفراد في نطاق جغرافي معين، تنشأ بينهم أفعال وردود أفعال، تتطور مع الزمن إلى علاقات اجتماعية مستقرة نسبيًا، تحكمها منظومة من القيم والعادات والتقاليد، سواء كانت دينية أو وضعية.
2. الجانب البنائي
يتمثل هذا الجانب في النظم والمؤسسات الاجتماعية التي ينشئها المجتمع لإشباع احتياجات أفراده، مثل:
النظام الأسري
النظام التعليمي
النظام الاقتصادي
النظام الصحي
وتهدف هذه النظم إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
ثالثًا: التغير الاجتماعي والحاجة إلى التدخل المهني
يُعد التغير الاجتماعي ظاهرة حتمية في حياة المجتمعات، إلا أن هذا التغير قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى عجز بعض النظم الاجتماعية عن القيام بوظائفها بكفاءة، مما ينتج عنه ظهور مشكلات اجتماعية متعددة. وهنا تبرز الحاجة إلى التدخل المهني من قبل المتخصصين، وفي مقدمتهم الأخصائيون الاجتماعيون، لتوجيه عملية التغيير ومعالجة الاختلالات الاجتماعية.
المبحث الثاني: تعريف وأهداف التدخل المهني
أولًا: تعريف التدخل المهني
تعددت تعريفات التدخل المهني في أدبيات الخدمة الاجتماعية، ومن أبرزها أنه:
مجموعة من الأنشطة العلمية المنظمة التي يمارسها الأخصائي الاجتماعي، بهدف إحداث تغيير مخطط في العميل أو في البيئة أو فيهما معًا.
ويُعرّف إجرائيًا بأنه:
سلسلة من الخطوات المهنية التي تبدأ بتقدير الموقف وتحديد المشكلة، ثم وضع خطة التدخل وتنفيذها، وصولًا إلى تقييم النتائج وإنهاء التدخل.
ويُعد التدخل المهني إطارًا شاملًا ومتكاملًا، يعتمد على:
معارف علمية
مهارات مهنية
قيم إنسانية
أسس تنظيمية معترف بها في مهنة الخدمة الاجتماعية
ثانيًا: أهداف التدخل المهني
تمثل عملية تحديد الأهداف الخطوة الأولى في بناء استراتيجية التدخل المهني، ويمكن تصنيف الأهداف إلى:
1. أهداف عامة
مساعدة الأفراد والجماعات على التكيف مع بيئاتهم الاجتماعية
تحقيق التوازن بين الفرد والمجتمع
الحد من المشكلات الاجتماعية
2. أهداف متوسطة المدى
تدعيم الذات
الرعاية الذاتية
الرعاية المؤسسية
3. أهداف خاصة
ترتبط بطبيعة المشكلة الاجتماعية وموقف التدخل وظروفه.
ويُعد عامل الزمن عنصرًا مهمًا في تحديد الأهداف، إذ توجد أهداف قصيرة الأمد وأخرى طويلة الأمد، حسب طبيعة التدخل والنموذج المستخدم.
المبحث الثالث: عناصر وعمليات التدخل المهني
أولًا: عناصر التدخل المهني
تشمل عناصر التدخل المهني ما يلي:
1. القيم والأيديولوجيات
تمثل القيم موجهات للسلوك الإنساني، وترتبط الأيديولوجيات بالقيم ارتباطًا وثيقًا، إذ تعكس النسق الفكري السائد في المجتمع، وتؤثر بشكل مباشر في سياسات الرعاية الاجتماعية واستراتيجيات التدخل المهني.
2. مشكلات التدخل المهني
تنقسم إلى:
مشكلات الخدمة الاجتماعية
مشكلات مجال الممارسة
مشكلات الأوضاع الاجتماعية العامة
3. المشاركون في التدخل المهني
المواطنون
الأخصائيون الاجتماعيون
المنظمات والمؤسسات الاجتماعية
4. استراتيجيات التدخل المهني
وتشمل تحديد:
التغيير المستهدف
الأهداف قصيرة وطويلة الأمد
المهام والمسؤوليات
الموارد والإمكانيات
ثانيًا: عمليات التدخل المهني
تمر عملية التدخل المهني بعدة عمليات متتابعة، من أهمها:
التعرف على المشكلة
طلب المساعدة
التقييم الأولي
تحديد الأهداف
اختيار الاستراتيجية المناسبة
عقد التدخل المهني
تنفيذ التكتيكات
الإرجاع والتقييم
النتائج وإنهاء التدخل
المبحث الرابع: أنشطة ومهارات التدخل المهني
أولًا: أنشطة التدخل المهني
يستخدم الأخصائي الاجتماعي مجموعة من الأنشطة المهنية، من بينها:
المساعدات العامة
خدمات التأمين الاجتماعي
الخدمات الأسرية
خدمات رعاية الطفل
الخدمات الصحية والنفسية
خدمات الشباب والعمل
خدمات رعاية المجتمع
ثانيًا: مهارات التدخل المهني
تشمل مهارات الأخصائي الاجتماعي:
مهارة الاتصال
مهارة المقابلة
مهارة الملاحظة
مهارة التقييم
مهارة التقويم
ويُميز بين:
مهارات التكيف مع الآخرين
المهارات المهنية التطبيقية
خاتمة
يُعد التدخل المهني ركيزة أساسية في مهنة الخدمة الاجتماعية، لما له من دور فعّال في معالجة المشكلات الاجتماعية وتحقيق التوازن بين الأفراد وبيئاتهم. ولا يتم التدخل المهني بصورة عشوائية، بل يستند إلى أسس علمية وقيم إنسانية، ويعتمد على مهارات مهنية متخصصة. كما يسهم التدخل المهني الناجح في تنمية دافعية التغيير الإيجابي لدى الأفراد والجماعات، ويعزز من فاعلية المؤسسات الاجتماعية في تحقيق أهداف التنمية المجتمعية.
قائمة المراجع
أولًا: الكتب
إبراهيم عبد الرحمن رجب وآخرون، تنمية المجتمع المحلي، سلسلة قراءات في تنظيم المجتمع، القاهرة: مكتبة وهبة، 1990م.
إبراهيم عبد الرحمن رجب وآخرون، أساسيات تنظيم المجتمع، القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1983م.
أبو المعاطي، ماهر، استراتيجيات وأدوات التدخل المهني في الخدمة الاجتماعية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2010م.
مدحت فؤاد فتوح، الخدمة الاجتماعية: مدخل تكاملي، القاهرة: المطبعة التجارية الحديثة، 1992م.
حبيب، جمال شحاتة، الممارسة العامة منظور حديث في الخدمة الاجتماعية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2009م.
منقربوس، نصيف فهمي وآخرون، تعليم وممارسة المهارات في المجالات الإنسانية والخدمة الاجتماعية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2009م.
فهمي، محمد سيد، أسس الخدمة الاجتماعية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2000م.
اللهيب، لطيفة عبد الله وآخرون، مهارات الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية، مكتبة الرشد، الرياض، 1433هـ.
سليمان، حسين حسن وآخرون، الممارسة العامة في الخدمة الاجتماعية مع الفرد والأسرة، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، 2005م.
تعليقات
إرسال تعليق