دافعية الانجاز
دافعية الإنجاز: الإطار المفاهيمي، النظري، والتربوي
مقال أكاديمي تحليلي
✍️ إعداد: دحومي صلاح الدين – مدونة الباحث العربي للبحوث الأكاديمية
تمهيد
تحتل الدافعية مكانة مركزية في تفسير السلوك الإنساني، إذ لا يمكن فهم أي نشاط يقوم به الفرد دون الوقوف على الدوافع الكامنة خلفه. فالدافعية تمثل القوة المحركة التي تدفع الإنسان إلى السلوك، وتحدد اتجاهه، وتضمن استمراره حتى بلوغ الهدف. ولولا وجود الدافعية لما استطاع الإنسان تحقيق أهدافه أو إشباع حاجاته، ولما أمكن تفسير الفروق الفردية في الإنجاز والتفوق.
وتُعد دافعية الإنجاز من أهم مكونات المنظومة الدافعية، لما لها من أثر بالغ في مجالات متعددة، أبرزها المجال النفسي، التربوي، الأكاديمي، الاقتصادي، والإداري. ففي المجال التربوي بصفة خاصة، تمثل دافعية الإنجاز العامل الحاسم في نجاح العملية التعليمية، إذ تتجلى في تفاعل المتعلم مع المواقف التعليمية، واستجابته للتعلم، ومستوى تحصيله الدراسي.
ويكاد يجمع علماء النفس على أن الدافع للإنجاز ليس شرطًا لبدء التعلم فحسب، بل هو عنصر أساسي في استمراره وزيادة الجهد المبذول، وتأخير الشعور بالتعب، مما يؤدي إلى رفع مستوى الأداء والإنتاج. وقد أشار شلبي (1999) إلى أن الدافع للإنجاز قد يحول طالبًا فاشلًا إلى متفوق، في حين يؤدي غيابه إلى رسوب طالب آخر.
أولًا: تعريف الدافعية
1. الدافعية لغةً
الدافعية مشتقة من الفعل الثلاثي دفع، أي حرّك الشيء من مكانه إلى مكان آخر في اتجاه معين (يونس، 2007، ص 14).
2. الدافعية اصطلاحًا
تعددت تعريفات الدافعية بتعدد المدارس والاتجاهات النفسية، ومن أبرزها:
يعرّفها محمد حسن عمراني (2006) بأنها مجموعة من المشاعر التي تدفع المتعلم إلى الانخراط في أنشطة التعلم التي تؤدي إلى بلوغ الأهداف المنشودة، وهي شرط أساسي لحدوث التعلم (غباري، 2008).
يرى أتكنسون (Atkinson, 1976) أن الدافعية تعني استعداد الكائن الحي لبذل أقصى جهد ممكن من أجل تحقيق هدف معين.
يعرّفها فينـاك (Vinak, 1962) بأنها نتاج تفاعل شروط داخلية (كالاهتمام والقيم) وشروط خارجية (كالظروف البيئية والموقفية) تؤثر في شدة واتجاه السلوك.
بينما يرى ويتج (1983) أن الدافعية هي العامل النفسي الشعوري الذي يهيئ الفرد لأداء أفعال معينة أو تحقيق أهداف محددة (الزغول، 2009).
👉 وعليه، يمكن القول إن الدافعية هي مجموع الظروف الداخلية والخارجية التي تحرك الفرد وتوجه سلوكه نحو هدف معين لإعادة التوازن النفسي.
ثانيًا: المفاهيم المرتبطة بالدافعية
تشمل الدافعية عددًا من المفاهيم القريبة منها، من أهمها: الحاجة، المثير، الحافز، الهدف، الميل.
1. الحاجة
هي شعور الكائن الحي بالافتقاد إلى شيء معين، وتمثل نقطة البداية لإثارة الدافعية (معتز، 1990).
2. المثير
هو العامل الذي يستثير السلوك سواء كان داخليًا (تقلصات المعدة) أو خارجيًا (رؤية الطعام).
3. الحافز
يمثل العمليات النفسية الداخلية التي تصاحب المثير وتدفع إلى إصدار السلوك.
4. الهدف
هو الغاية التي يسعى الفرد إلى تحقيقها من خلال سلوكه (المطيوي، 2005).
5. الميل
هو الدافع عندما يظهر في المجال الاجتماعي (كفافي، 2011).
ثالثًا: تصنيف الدوافع
تنقسم الدوافع وفق نشأتها إلى:
1. الدوافع الأولية (الفطرية)
وهي دوافع بيولوجية مرتبطة ببقاء الفرد، مثل الجوع والعطش (الداهري، 1999).
2. الدوافع الثانوية (المكتسبة)
وهي دوافع اجتماعية ونفسية تنشأ من التفاعل مع البيئة، مثل دافع الإنجاز، التحصيل، السيطرة (بن يوسف، 2007).
رابعًا: أهمية الدافعية
تكمن أهمية الدافعية في كونها:
تفسر السلوك الإنساني.
تساعد على التنبؤ بالسلوك وتوجيهه.
تزيد من فاعلية التعلم والتحصيل.
تخلق التوازن النفسي والاجتماعي للفرد.
(سلطي، 2004).
خامسًا: الدافعية للإنجاز
1. مفهوم دافعية الإنجاز
يرجع الفضل في بلورة هذا المفهوم إلى هنري موراي الذي عرّف الحاجة للإنجاز بأنها رغبة الفرد في التغلب على العقبات وأداء المهام الصعبة بكفاءة (خليفة، 2000).
ويرى ماكيلاند أن دافعية الإنجاز تعني الرغبة في النجاح والتفوق، في حين يعرفها أتكنسون (1964) بأنها استعداد ثابت نسبيًا يحدد مثابرة الفرد لتحقيق النجاح في مواقف يتم فيها تقييم الأداء.
وقد حدد عبد اللطيف خليفة خمسة مكونات أساسية لدافعية الإنجاز:
الشعور بالمسؤولية
السعي نحو التفوق
المثابرة
الشعور بأهمية الزمن
التخطيط للمستقبل
سادسًا: أنواع دافعية الإنجاز
دافعية الإنجاز الذاتية: تعتمد على المعايير الداخلية للفرد.
دافعية الإنجاز الاجتماعية: تعتمد على المقارنة الاجتماعية ومعايير الآخرين (خليفة، 2000).
سابعًا: الإطارات النظرية المفسرة لدافعية الإنجاز
1. نظرية التوقع–القيمة
ترى أن السلوك الإنجازي نتاج تفاعل:
الحاجة للإنجاز
توقع النجاح
قيمة الهدف
وقد طور هذا الاتجاه كل من ماكيلاند وأتكنسون.
2. نظرية التنافر المعرفي (Festinger)
تفترض أن الفرد يسعى لتحقيق الاتساق بين معتقداته وسلوكه، ويولد التنافر دافعًا قويًا للإنجاز.
ثامنًا: العوامل المؤثرة في دافعية الإنجاز
1. عوامل شخصية
تقدير الذات
الحاجة للإنجاز
العمر
2. عوامل صفية
الجو الصفي
الممارسات التعليمية
أساليب التقويم
3. عوامل أسرية
أساليب التنشئة
القيم الأسرية
ترتيب الطفل داخل الأسرة
تاسعًا: قياس دافعية الإنجاز
1. المقاييس الإسقاطية
مثل اختبار تفهم الموضوع (TAT) الذي استخدمه ماكيلاند.
2. المقاييس الموضوعية
مثل:
مقياس مهربيان
مقياس السمراتي
مقياس الشعراوي
عاشرًا: دور المعلم في إثارة دافعية الإنجاز
يقوم المعلم بدور محوري من خلال:
مراعاة الفروق الفردية
استخدام التعزيز الإيجابي
تنويع استراتيجيات التدريس
إشراك المتعلمين في التعلم
الحادي عشر: علاقة دافعية الإنجاز بأساليب التعلم
تؤكد الدراسات أن الدافعية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأساليب التعلم، إذ تؤثر في الانتباه، والمثابرة، واختيار الاستراتيجيات المناسبة. ويرى Gagné (1985) أن استراتيجيات التعلم تخلق الدافعية وتسهم في تحسين الإنجاز الأكاديمي.
خلاصة الفصل
خلص هذا المقال إلى أن الدافعية بصفة عامة، ودافعية الإنجاز بصفة خاصة، تمثل حجر الأساس في تفسير السلوك الإنساني والنجاح الأكاديمي. فهي القوة التي تحرك الفرد، وتوجهه نحو تحقيق الأهداف، وتضمن استمرارية جهده. كما يتضح أن المعلم، والأسرة، والبيئة التعليمية، جميعها عوامل أساسية في تنمية دافعية الإنجاز لدى المتعلمين.
قائمة المراجع
خليفة، عبد اللطيف (2000). الدافعية للإنجاز. القاهرة.
شلبي، أحمد (1999). علم النفس التربوي. القاهرة.
غباري، محمد (2008). الدافعية والتعلم. عمان.
الزغول، عماد (2009). علم النفس التربوي.
Gagné, R. (1985). The Conditions of Learning.
McClelland, D. (1961). The Achieving Society.



تعليقات
إرسال تعليق