التواصل الثقافي بين الجزائر العثمانية و العالم العربي

 

التواصل الثقافي بين الجزائر العثمانية و العالم العربي

كاتب المقال: دحومي صلاح الدين

تمهيد

ربطت إيالات الدولة العثمانية العديد من العلاقات في مختلف المجالات وخاصة في المجال الثقافي، حيث جمعت الجزائر بالمشرق الكثير من الروابط خاصة وأن معظم المراكز الدينية المقدسة توجد بالمشرق، بالإضافة إلى وجود حواضر علمية كبرى هناك فكان الجزائريون كغيرهم من المسلمين يشدون الرحال إلى البقاع المقدسة لتأدية فريضة الحج ولطلب العلم، إذ شكلت الرحلات الحجازية أهم مظاهر التواصل الثقافي بين الجزائر والمشرق، كما مثلت الإجازات العلمية حلقة وصل بين علماء الجزائر وعلماء المشرق، حيث كان يتم فيها ذكر الأسانيد والترجمة لبعض العلماء وقد كان للكتب والمؤلفات التي يأتي بها علماء الجزائر من المشرق ولمؤلفات العلماء الجزائريين بالمشرق دور في التواصل الحضاري.

المبحث الأول: مظاهر التواصل الثقافي بين الجزائر والمشرق العربي

من أهم مظاهر التواصل الثقافي بين الجزائر والمشرق العربي، الرحلة الحجازية، أدب الاجازة العلمية، واقتناء الكتب والترويج لها والتي كان لها الدور المهم في التواصل الثقافي بين الجزائر العثمانية والمشرق العربي.

المطلب الأول: الرحلة الحجازية ودورها في التواصل

الرحلة الحجازية هي رحلة روحية إلى بيت الله الحرام، حجية بالنسبة إلى أهدافها ورحلة حجازية بالنسبة إلى المكان المقصود وهو بلاد الحجاز ورحلة دين لأداء فريضة الحج ودنيا للانتقال إلى بلاد المشرق، وكان الحجاج الجزائريون يضعون ذلك في قوالب فنية تخلد رحلاتهم وذكرياتهم في الحج.

وتنقسم الرحلة الحجازية إلى قسمين رحلة حجازية نثرية وأخرى شعرية نفصلها كالآتي:

أولا: الرحلة الحجازية النثرية
حسب أبا القاسم سعد الله إنها الرحلة التي يسجل فيها أصحابها انطباعاتهم لما شاهدوه وسمعوه، ليس في الحجاز فحسب لكن في مختلف الأقطار العربية، وأول رحلة نثرية ذكرت في المصادر هي رحلة البوني "الروضة الشهية في الرحلة الحجازية"، ومن أشهر الرحلات الحجازية النثرية في القرن (12هـ/18م) رحلة الورتيلاني "نزهة الأنظافي فضل علم التاريخ والأخبار"، وهي موسوعة أخبار عن جزء كبير من العالم الإسلامي، وتعتبر رحلة علمية أكثر منها رحلة حجية عادية.

ومن رحلات القرن 18م أيضا رحلة أباراس الناصر "فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته"، وتعد رحلة علمية أكثر منها رحلة أدبية حجازية، فرغم تناولها موضوع الرحلة إلى الحجاز، إلا أن أبوراس اهتم كثيرا بجانب العلم والعلماء.

ثانيا: الرحلة الحجازية الشعرية
الملاحظ أن الرحلات الشعرية معظمها من الغرب الجزائري كان بعضها مكتوب بالشعر الفصيح وبعضها بالشعر الملحون، وممن كتب بالشعر الفصيح قصيدة محمد بن منصور العامري التلمساني، التي فرغ منها سنة 1152هـ، وهي قصيدة همزية متوسطة الجودة، وصف فيها مراحل رحلته مرحلة بمرحلة، من تازة حيث كان يقيم إلى الحرمين الشريفين ومنها إلى بلاد الشام وتبدأ قصيدته بـ:
أزمع السير أن دهت أدواء لشفيع الأنام فهو دواء

ونجد أن المسماة رحلة المجاجي عبارة عن قصيدة فصيحة بسيطة التعبير، وهي قصيدة مطولة فصيحة سنة 1063 وتبدأ كالتالي:
نشق الفيافي فدفدا بعد فدفد جبالا وأوعارا وأرضا وطية.

ومن نماذج الرحلات الشعرية المكتوبة بالشعر الملحون قصيدة محمد بن مسايب التلمساني الذي وصف رحلة من تلمسان إلى مكة المكرمة وقد تضمنت شوقه وتوبته، وكانت بهذا الطالع:
يالورشان أقصد طيبة و سلم على الساكن فيها.

المطلب الثاني: أدب الإجازة العلمية ودورها في التواصل الثقافي

تعد الإجازة ما يقابل اليوم الشهادات الجامعية، وشهادات ذات الكفاءة التي تؤهل حاملها لتدريس الفقه والمنطق أو علم من العلوم الكثيرة، أو ما تخول له حق الرواية وتلقين المعارف على الصورة التي تلقاها بها، والإجازة عند المحدثين إذن بالرواية لفظا أو كتابة وكانت في الأصل لا تنمح إلا لمن يدرس الحديث، ثم عمم استعمالها وصارت تمنح في عدة علوم وفنون التي يتقنها المجيز.

وقد كان المجيزون يتصفون بالإنصاف فلا يمنحون الإجازة إلا لذوي الكفاءة والأهلية، لكنها أسقطت بتقدم الزمن للتساهل في منحها ودون التحقق من كفاءة المجاز وهذا ما يؤكده أبو القاسم سعد الله إذ يذكر أن الإجازات خضعت لنوع من المجاملات بين العلماء، فطلب الإجازة يستدعي المجيز ببيت شعري أو بقطعة أو رسالة ويصفه بألقاب كا "البحر" و"المحيط" و"الشمس" و"الكوكب"، ويتردد المجيز قليلا وهو تردد تقليدي أيضا لأن العادة جرت كذلك، لكن بالنهاية يستجيب للإطراء.

والإجازة العلمية عدة أنواع إذ لا يمكن لطالب العلم تحصيل أي نوع من الإجازات التعلمية، إلا بعد القراءة على الشيخ أو السماع منه وأنواعها هي:

1-الإجازة بالرواية: إذن من الشيخ للطالب بخطه أو بلفظه أو بهما معا ليؤدي منه مروياته من غير أن يسمع ذلك منه أو يقرأه عليه فيؤدي عنه بموجب ذلك الإذن في أي علم من العلوم وغالبا ما تكون المادة المجاز بها حديثا نبويا.

2- الإجازة التعلمية: وهي عدة أنواع أهمها:

  • إجازة القراءة: وتعرف بالإجازة الإقراء وقد كان الأستاذ في القرون الإسلامية الأولى يكتب للطالب ما يفيد بأنه أتم عليه قراءة الكتاب المعين أو الكتب المعينة، في صدر أو ذيل الكتاب المقروء بمعنى أن إجازة القراءة وثيقة ينص فيها على أن شيخا قد أقر طالبا كتابا ما، وأن الطالب قرأ على الشيخ هذا الكتاب.

  • إجازة السماع: والسماعات وهي وثيقة مكتوبة في آخر الكتاب المقروء أو مقدمة تنص على أن الكتاب قد سمعه على مصنفه أو على شيخ عالم ثقة واحد أو كثيرون.

  • إجازة التصدير: وكان بعض الشيوخ يأذنون لتلاميذهم في تولي بعض المناصب العلمية والدينية، ويكتبون لهم إجازات بذلك مع أن تولي مثل هذه المناصب لم يحتاج إلى إجازات فيها.

  • إجازة التأليف: اعتنى بعض العلماء على عرض مؤلفاتهم أو قصائدهم التي جادوا فيها على مشايخ العصر فيكتب بين الإجازة بالتأليف والتقريظ، لكن يبدوا أن الأولى تصدر عن أعلام العصر في فن الكتاب المؤلف والثانية، أما التقريظ فهو من يكتبه عليه عامة المشايخ والعلماء.

الإجازات المتبادلة بين علماء الجزائر والمشرق: يعتبر علماء الجزائر السباقين في منح الإجازات لغيرهم من علماء المشرق، وفي هذا الصدد نذكر إجازة احمد بن عمار إلى خليل المرادي الشامي، وقد أجاز يحي الشاوي الكثير من العلماء المشارقة كإجازاته لتقي الدين الحصيني، التي منحه إياها الشيخ محمد سعيد البهلولي في الموطأ وصحيحي البخاري ومسلم والشفاء.

ومن الذين أجازهم يحي الشاوي أبو المواهب الحنبلي الدمشقي ولد في رجب 1044هـ / 1634م أخذ العلم من عدة علماء منهم الشيخ الشاوي والشيخ الثعالبي في مصر أخذ عن الشبراملسي، لما قدم الشاوي الشام أثناء زيارته الثانية لبلاد الروم، حضر الشيخ أبو المواهب لدروسه في علوم العربية، والكلام والمنطق والتصوف، وقرأ عليه كتاب الحكم لابن عطاء الله الإسكندري، وقرأ عليه التسهيل في اللغة العربية لابن مالك فأجازه ومن حضر معه في سائر العلوم.

وكذا إجازاته لشيخ أحمد النخلي بجميع مروياته ومؤلفاته منهما الترجيح في بيان ما للبخاري من التصحيح وحواشي التسهيل لابن مالك والألفية وفيما له من علم الكلام وفي إعراب الكلمة المشرف، وقدم مصر حاجا في عام 1074هـ وأجاز بها علي النوري الصفاقسي، وذكر النوري أنه لما كتب له الإجازة قال مؤرخة بمجموع الاسم واللقب فعددت حروف يحي الشاوي فوجدتها 87 وزنا وذلك هو التاريخ فتعجبت من شدة فطانته، وقد أجاز يحي الشاوي الكثير من الأعلام.

كما نجد أحمد المقري قد أجاز عددا كبيرا من علماء المشرق العربي، حيث تتلمذ على يده مجموعة كبيرة من طلبة العلم وقد اعترف له الكثير من العلماء بالرفعة والمكانة العلمية، ومن الذين أجازهم الشيخ احمد المقري الشيخ المحاسن الدمشقي، حيث كان من العلماء المنبهرين بعلوم الشيخ المقري والمعترفين له بالسبق والفضل العلمي إذ منحه إجازة نظمية من (44 بيتا) سنة 1037هـ/628م.

بالإضافة إلى إجازته للشيخ حنيف الدين، وجاءت هذه الإجازة المنظومة من 41 بيت، أجاز له فيها أن يروي عنه الموطأ مالك وصحيحي البخاري ومسلم وكل الكتب الستة الصحاح.

وحضر الأديب الدمشقي أحمد بن شاهين هو الآخر دروس المقري بالجامع الأموي في عقيدة إضاءة الدجنة، ثم سأله أن يجيزه فيها فنظم له إجازة في ستة وخمسين بيتا وهي تختلف في بعض التفاصيل عن جل إجازات المقري، التي قدم لها غالبا بالحديث عن فضل علم الرواية والإسناد لأنها تخص الحديث الشريف، أما هذه فقد قدم لها بالحديث عن فضل علم التوحيد لأنها تتعلق بكتابة فيه كقوله:
إن فضل علم أصول الدين هدى وجل عن بيتين

ويذكر الكتاني في فهرس الفهارس أن عبد القادر الراشدي القسنطيني هو شيخ مرتضى الزبيدي حيث أجاز الراشدي الزبيدي مراسلة من قسنطينة، إذ ترجمه الزبيدي في معجمه وحلاه بشيخنا الإمام المحدث الصوفي النظار، وكغيره من علماء الجزائر بالمشرق العربي فقد أجاز عيسى الثعالبي بعض علماء المشرق والمغاربة المتواجدين هناك، نذكر على سبيل المثال إجازاته لأبي سالم العياشي وهي إجازة مختصرة كتبها الثعالبي لأبي سالم العياشي في أواخر ذي الحجة 1073هـ.

وكما أجاز أعلام الجزائر المشارقة في مصر والشام والحجاز فقد أجاز علماء المشرق بدورهم العلماء الجزائريين في العهد العثماني، فقد كتب عبد الرحمان الصديقي المالكي إجازة عامة للشيخ المقري يوم 12 ربيع الأول 1029هـ / 1619م، حيث أبدى فيها الصديقي إعجابا كبيرا بالمقري فضمت عدة أبيات مدح كما أشار لاستدعائه له بالإجازة بقوله: "فطلب مني الإجازة حق المطلوب بما أن يكون طالبا والمرغوب منه أن يكون في مثلما راغبا فقدمت عزمي وأخرت... وقلت يا سبحان الله ما بال بحر يستفيض غديرا... علمت أن شوامخ الشجر إذا مدت غصون أوراقها، واتصل ثم شجرها بساقها إلا لتكريم وفادها وتقرب من نفعها قاصدها".

كما أجاز كل من الشيخ علي الأجهوري والشيخ شهاب الدين الخفاجي الحنفي والشيخ سلطان احمد المزاجي، والشيخ أبو الحسن بمروياتهم الشيخ عيسى الثعالبي، الثعالبي أيضا رغم أنه مالكي عن الشيخ المسند البرهان الميموني الشافعي، فأجازه وكتب في إجازته له بأنه ما رأى منذ زمن من يماثله بل من يقاربه. وقد أبدع الشيخ عيسى في الاستدعاء الذي تقدم به الذي تقدم به لشيخ الشافعية بمصر محمد الشوبري وأخيه أحمد الشيخ الحنفية فلما رآه الكبير منهما وهو الشمس محمد قال معتذرا عن كتابة الإجازة وقد جاء في الحديث أن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء وان لا أحسن كتابة إجازة تناسب هذا الاستدعاء.

ثم طلب منه أخيه الكتابة عليه فقال أن على مذهب الأخ وأخذ الثعالبي أيضا على الشيخ خير الدين بن أحمد الرملي، ثم استجازه وكان هذا الأخير سمحا في الإجازة ما طلبها أحد منه ورده بل كان كل من طلبها منه يجيزه إما بالكتابة، وإما باللسان حتى أنه أجاز أهل عصره.

كما حصل الورتيلاني على إجازات كثيرة من شيوخ مصر أثناء إقامته بالأزهر، بعضهم أجاز بأوارد الطريقة الشاذلية، ومنهم الشيخ البليدي قد أجازه إجازة مطلقة في العلوم العقلية والنقلية، وهو الذي لقنه الذكر على الطريقة الشاذلية "وقد أخذنا عنه الطريق ورسم الحقيقة وأنه يقين الأذكار وحدد علمه العهد في الطريقة الشاذلية المحصنة.

ويذكر الورتيلاني بعض الإجازات التي حصل عليها، في رحلته إلى المشرق العربي وخاصة الإجازات التي منحت له من طرف علماء، مصر، حيث يقول: "وممن أجازني أيضا وزرته الشيخ علي الفيومي الفاضل العارف بالله ذو الأحوال المرضية والمحبة الصافية والحقيقة والواردات الإلهية والعلوم اللدنية والفتوحات الربانية وكذا عنده تفريد التوحيد وتجريد التفريد".

وفي نفس المضمار تحدث الورتيلاني عن حصوله على إجازة من الشيخ علي الصعيدي في الأزهر بمصر بالتأليف، ويذكر في شرحه في هذا النص المسمى بمقدمة شرح السنوسي علي صغرى، كما حصل على إجازة أخرى من الشيخ أبو عبد الله محمد البليدي في مصر في العلوم كلها، وكتب ذلك بخط يده.

المطلب الثالث: التواصل الثقافي عن طريق الترويج للكتب واقتنائها

لقد كان العلماء الجزائريون ينقلون معهم كتبهم وكتب غيرهم من المغاربة إلى المشرق خلال العهد العثماني، وذلك إما بالرجوع إليها ومطالعتها، وإما لإهدائها للشيوخ أو توقيفها على الخزانات العامة ببلاد المشرق، وقد كان التجار يحملون ضمن بضائعهم الكتب العامة من المغرب إلى المشرق والعكس.

وكان من أهم الأهداف التي يسعى إليها الرحالة جلب الكتب والمصادر من المشرق والاطلاع على المكتبة وما وجدوا فيها هناك، ويرجع وهو محمل بأهم المصادر والتأليف المفيدة لعلماء التقى بهم واستفاد منهم، فلم يكن اهتمام الرحالة إذا يقتصر على حصوله على الإجازات والسند العالي فقط لكنه كان يقطع مسافات طويلة بحثا عن الكتب.

وقد كانت هناك نسبة معتبرة من الحجيج المغاربة والجزائريين، كرسوا جهودها للاستفادة العامة عن طريق ما يلقى من دروس في مختلف المراكز العلمية على طريق الحج أو عن طريق شراء الكتب والمخطوطات للاستفادة منها.

وقد حرص بعض الجزائريين على شراء الكتب النادرة من مصر وغيرها من بلاد المشرق العربي، ومن هؤلاء احد الجزائريين ذهب إلى مصر عام 1196هـ/1782م وعرض على عبد الرحمان الجبرتي أن يشتري منه عدة كتب نظير مبلغ كبير من المال وكان منها كتاب "زيج الراشد" للسمرقندي في الفلك، الذي ورثه عبد الرحمان الجبرتي عن والده الشيخ حسن الجبرتي عالم الرياضيات والفلك الشهي، لكن الجبرتي رفض أن يبيعه له، وقد استطاع هذا الرجل الجزائري أن يشتري نسخة الشيخ ابراهيم الزمزمي الحجازي من ابنه بثمن بخس بالرغم من أن هذه النسخة كانت تفوق نسخة الجبرتني جودة، وهذا دليل على اقتناء الجزائريين لكل نادر وجديد من الكتب والمخطوطات حيثما وأينما وجدت.

ومن مظاهر اهتمام الجزائريين باقتناء الكتب، هو أن أحمد بن مسايب قد أوصى حجاج الجزائر باغتنام فرصة الحج لينهلوا من العلوم في الحواضر الكبرى لانتشار مجالس العلم فيها، فقد حرص الحجاج على الحصول على أكبر ما يمكن تحصيله من الكتب التي يقفون عليها، وقد كلفهم ذلك أحيانا بيع بعض المتاع أو إلى الاقتراض.

وقد شكل موسم الحج ندوة ثقافية علمية ودينية يكثر فيها العمل وشرح الكتب، هذا ما جعل الناس وخاصة العلماء منهم يتحمسون ويتشجعون للقيام بالرحلة الحجية، من أجل التبادل الفكري والثقافي وحرية الرأي والمناقشة العلمية وآداب الحوار العلمي. وقد شكل ركب الحج والرحلة الحجية على امتداد العصور جسرا من الجسور المهمة، التي عبرت من خلالها الكتب والمؤلفات الشرقية إلى المغرب العربي، كما شكلت في نفس الوقت نافذة اطلع من خلالها المشارقة على مجموعة من مؤلفات الجزائريين.

اهتم علماء الجزائر بتبادل المؤلفات بينهم وبين علماء المشرق العربي وقراءة مؤلفات المشارقة، فنجد أن احمد المقري قد كتب الشيخ علي الشامي يستعير منه شرح البردة لابن مرزوق التوزري للشقراسطية، جاء بما نصه:
أمنن بشارح بردة بمديح خير الخلق باهت
وبتوزريو عذرن فيما به الأقلام فاهمت.

كما كان العلماء الجزائريون المتواجدون في ركب الحج يحملون معهم كتبهم ومؤلفاتهم ورسائلهم ومدوناتهم، لكي يبيعونها في البلدان التي يمرون بها أثناء سير الركب وخاصة بالحجاز بصورة خاصة لما بها من غزارة التواصل بين العلماء والمثقفين، وبالمقابل كان الحجاج يقومون بشراء ما لم تحزه أيديهم من الكتب والمصنفات من مختلف العلوم الشرعية والدنيوية.

وقد أبدى بعض العلماء الجزائريين إعجابهم ببعض المؤلفات المشرقية كإعجاب المقري بمؤلف كتاب الوزير للقاضي جمال الدين بدائع البداية، حيث قال أنه لم يرى في كتب الأدب في فنه أحسن منه على الرغم من أنه رأى الكثير في المغرب والمشرق، وقد وصفه بشعر.

ومن الكتب المغاربية والجزائرية التي كانت متداولة في المشرق نذكر كتاب "السلم المرونق" لعبد الرحمان الأخضري، الذي تذكر عنه المصادر انه لم يعيش إلا ثلاثين سنة، إلا أنه خلف ثروة علمية كبيرة منها هذا الكتاب في علم المنطق استوعب من خلالها معظم علوم عصره وأودعها في مختلف الفنون التي برز فيها فقد ألف في الفقه والنحو والبيان.

ونظرا لما تضمنته كتب الأخضري فقد اعتنى بمنظومتها الكثير من العلماء فتناولوها بالشرح والتعليق تارة ووضع الحواشي عليها تارة أخرى، وبلغت كتبه شهرة تعدت حدود المغرب فأقبل عليها المشارقة بالدرس والقراءة والحفظ وأدمجت في برامج التعليم في الكثير من جامعات العالم الإسلامي، فكانت تدرس في الجامع الأزهر والزيتونة.

ومن بين الكتب المتداولة في العهد العثماني بالجزائر نجد:
 المدونة: هي من أشهر المصنفات في الفقه المالكي، للقاضي عبد السلام أبو سعيد سحنون بن سعيد التنوحي القيرواني وكانت متداولة باسم مدونة.
 مختصر خليل: كتاب في الفقه لخليل ابن إسحاق ابن موسى حيث نلاحظ سيطرته على مختلف الدراسات الفقهية في الجزائر، فإذا حكمنا على أنواع الشروح والحواشي فانه يأتي في المرتبة الثالثة بعد القرآن الكريم وصحيح البخاري، حيث قدم عدد من فقهاء الجزائر شروحا وتعاليق وحواشي عليه.
 ألفية ابن مالك: هي عبارة عن منظومة في النحو لجمال الدين عبد الله ابن مالك الأندلسي، وفي الجزائر قد خصهما المؤلفين بالشرح مثل محمد بن عامر الأخضري البسكري كما أن احمد الوهراني قد وضع شرحا على لامية الأفعال في التصريف لابن مالك.
 صحيح البخاري: لقد كان لصحيح البخاري مكانة في الحياة الاجتماعية والدينية في الجزائر خلال العهد العثماني، حيث يقول أبو القاسم سعد الله أن صحيح كاد ينافس المصحف في كثرة الاستعمال.
 الموطأ: وهو أول كتاب صنف في الحديث والفقه المالكي معا للإمام أبو عبد الله بن مالك بن أنس.(ت 195هـ).

المبحث الثاني: الاسهامات الثقافية والعلمية لعلماء الجزائر بالمشرق العربي

حفلت الحياة الثقافية لعلماء الجزائر بالمشرق العربي بنشاطات فكرية وعلمية، تجلى ذلك في الدور الريادي الذي قاموا به في مختلف الميادين، إذ أغدقوا أهل المشرق العربي بالمؤلفات العلمية والأشعار والتدريس بالجوامع والمدارس في فنون الأدب والحديث والفقه، وتفوقوا من خلالهم على الكثير من نظرائهم المشارقة.

المطلب الأول: التدريس والتعليم

تصدر علماء الجزائر مهام التدريس والتعليم في الحواضر الإسلامية الكبرى التي حلوا بها فكانوا بذلك يستعملونها كأداة لنشر معارفهم وعلومهم في مختلف الفنون والعلوم التي أجادوها حيث ألقوا الدروس وتوافدت عليهم الطلبة وحضر مجالسهم العلمية أشهر أعلام المشارقة، فالمقري خلال رحلة درس بالمسجد الحرام، وأملى الفقه والتفسير والحديث النبوي بالجامع الأزهر، ولهذا ما قاله عنه قاضي القاهرة "... واستبشرنا من أنفاس معارفنا بعد الدروس ... فدعونا الله أن يديم إقامته بهذه الديار نفعا لطلبة بل للعلم والأبرار"، وقد ذكرت كتب التراجم أن المقري قصد القاهرة وأقام دروسا بالجامع الأزهر، حيث لازم الدروس العلمية بعد عودته من الحجة الخامسة في (1628/1037)، ومن مظاهر عطائه الفكري والثقافي في مصر تدريسه للعلوم المختلفة بالأزهر مثل العقائد التي ذكر انه درسها أيضا في الإسكندرية والرشيد، وقد لاقت دروسه إقبالا كثيرا وتبجيلا من طلبة العلم وحتى من العلماء، كما تلقى بالقدس دروسا بالمسجد الأقصى كانت سببا اتصاله بالكثير من علماء وأدباء فلسطين.

ويذكر المحبي أن الشيخ المقري قد أملى لبعض فضلاء دمشق معلومات عن سقراط وتلميذه أفلاطون. وكيف أن هذا الأخير اختبر معلمه في ثلاث مسائل قبل أن يأخذ منه العلوم وهي أحق الناس بالرحمة ؟ ومتى يضيع أمر الناس؟ وما تتلقى به النعمة من الله ؟ وكيف أجاب سقراط عن هذه الأسئلة بدقة وبذكاء صار تلميذه إلى أن مات، وهذا يبرز الثقافة الواسعة التي تمتع بها المقري والا لم يكن ليدرس فضلاء وعلماء دمشق.

ويبدو أن المقري قد تصدر المجالس العلمية والأدبية واخذ ألباب أعيان دمشق لكثرة محفوظاته وغزارة علمه، حيث كان يدرسهم تاريخ الأندلس وأعلامها وما وصلته تلك الحواضر الإسلامية الضائعة ومن ازدهار، وفي مقدمتهم ابن شاهين الذي أبهره الأديب والمؤرخ لسان الدين ابن الخطيب، التبرك دروسا عديدة ووفدت الطلبة، وأمليت الحديث النبوي بمرأى منه عليه الصلاة والسلام ومسمع وختم تلك الدروس بقصده جاءت في 49 بيتا، وحضر علماء الحرم من أمثال عبد الرحمان المرشدي ومما ورد في تلك القصيدة:
يا محط الرجاء عندك أوفى زائر والضلوع في خفقان
وتجرأ وأنت أعظم من أعضي بدرس الحديث في رمضان
في صحيح الخبر البخاري القدح المعلو في الحفظ والإتقان.

وقد أملى المقري صحيح البخاري بالجامع الأموي تحت قبة النسر بعد صلاة الصبح، ولما كثر الناس بعد أيام خرج إلى صحن الجامع تجاه القبة فلم يتخلف منهم احد وكان يوم ختمه حافلا جدا اجتمع فيه الألوف من الناس وعلت الأصوات بالبكاء ونقلت حلقة الدرس إلى وسط الصحن إلى الباب الذي يوضع فيه العلم النبوي في الجمعات من رجب وشعبان ورمضان وأتى له بكرسي الوعظ، فصعد إليه وتكلم بكلام في العقائد والحديث لم يسمع نظيره قط وتكلم على ترجمة البخاري، وقد دام الدرس الذي املى فيه وختم صحيح البخاري من طلوع الشمس إلى قرب الظهر وختمه بأبيات كان قد نظمها بطيبة عند وداعه للروضة الشريفة:
یا شفيع العصاة أنت رجائی كيف يخشى الرجاء عندك بطيبة
ليس بالعيش في البلاد انقطاع أطيب العيش ما يكون بطيبة

وبعد هذا المشهد العلمي المهيب، اعترف له أهل دمشق بالأهلية في تصدر المجالس العلمية.

ومن علماء الجزائر الذين مارسوا التدريس بالمشرق يحي الشاوي إذ تعكس حياة الشاوي بالمشرق، تلك الشخصية ذات الطموح البعيد فبعد أداء فريضة الحج عاد إلى مصر سنة 1074ه، واستقر بها لفترة حيث جلس لتدريس بالأزهر الشريف فقرأ الفقه على خليل وشرح المرادي على ألفية ابن مالك وشرح عقائد السنوسي، كما قرأ شرح الجمل للخونجي في المنطق، وقد تولى التدريس في المدارس المعروفة بأشرطية والسليمانية والصرغتمشية،
إذ تتلمذ عليه عدد من العلماء وأجازهم أيضا وقد نال رتبة القضاء والإفتاء على المذهب المالكي.

ثم رحل إلى الروم (الأناضول) وفي طريقه على دمشق، عقد بجامع بني أمية مجلسا اجتمع فيه علماؤها وشهدوا له بالفضل التام إذ مدحه شعراؤها ونبلاؤها، وفي الروم (الأنظول) اجتمع به أكابر الموالي وبالغ في إكرامه شيخ الإسلام يحي المنقاري والصدر الأعظم الفاضل.

ويرجع أبو القاسم سعد الله كل هذه الحظوة والتقدير إلى أسباب أخرى وليس على مكانته العلمية فحسب، ذلك أن الشاوي من الجزائر وهي تابعة للدولة العثمانية والشاوي يعرف الكثير عن أحوال الجزائر والمغرب العربي السياسية والعلمية، فأكرمه ليس لشخصه فقط بل لأمور أخرى.

وقد حضر الدرس الذي كان يحضره السلطان وشارك في المباحث التي كانت تجرى هناك فلفت إليه الأنظار، واشتهر بالعلم بين الناس، وفي اسطنبول جلس لتدريس التفسير والتوحيد والنحو، كان الشاوي يعقد دروسا في الفقه المالكي في أول النهار في منزله وبعد الظهر يعقد مجلسه بالجامع الأموي، ليدرس الحكم العطائية وبعد العصر يدرس النحو في التسهيل، ودروسا بعد المغرب في العقيدة على شرح الإمام السنوسي.

كما ساهم عيسى الثعالبي في إثراء النشاط العلمي والثقافي بالمشرق العربي، حيث يذكر المحبي انه اشتغل بالتدريس في المسجد الحرام في فنون شرعية كثيرة، وكان يزور النبي صلى الله عليه وسلم في مواسم الحج ويجتمع إليه الناس فيدرسهم ويسمعون من أسانيده.

وقد كانت له حلقات ودروس في مختلف العلوم الشرعية بالمسجد النبوي فهناك درس معجم الطبراني الصغير، وكتاب الشمائل المحمدية، والخصال المصطفوية، وذكر العياشي أنه سمع منه بالحرم النبوي بالروضة الشريفة من لفظة الأربعين حديثا عن أربعين شيخا وكذلك درس بالروضة الشريفة الصحاح والغرائب وهي عشرون جزء وكان كل يوم يسمع الحاضرين جزءا منها.

ولقد عمت علومه وثقافته بلاد المشرق العربي حيث عجز العلماء على مجاراته أو الإحاطة بعلمه، وصف لنا تلميذه العياشي تلك الموسوعة التي بلغها وصفا دقيقا .". فلما سبحت في بحاره وأجلت جوادي فكري وغرقت فيه وكنت قبل أحسن العلوم...فما افتن من عجب إلا أعجب ولا اخرج من طيب إلا أطيب.

المطلب الثاني: المناظرات العلمية

تعتبر المناظرات فنا من الفنون الأدبية، يراد به إثبات قول أو نفيه وهي فن قديم، عرف خاصة فيالمناطق ذات الحركية العلمية وعند الشعوب التي تميزت بنشاطها الثقافي، وفيها يسعى كل طرف من المتناظرين إلى تعداد محاسن وجهة نظره ودفاع عن رأيه بحجج وبراهين، وكانت موضوعات المناظرات مختلفة مثل القضايا الدنية والأدبية والعلمية.

وتعد المناظرات فنا من الفنون الأدبية المعروفة في الأدب العربي، وقد انتشرت بين علماء المسلمين فلم يخلو عصر وجودها ليزدهر ويبلغ ذروته في عصر النهضة الإسلامية إلى العصر الحديث، ومن ذلك ما قدمته الرحلات الحجازية عامة والرحلات الجزائرية على وجه الخصوص، إذ حفلت بنصوص لمناظرات بين علماء الجزائر ونظرائهم من علماء المشرق العربي سواء في مصر أو الشام أو الحجاز.

و في المناظرات العلمية بين علماء الجزائر والمشرق العربي نلاحظ تعدد أنواع المناظرات ضمن الحلقات العلمية، التي حضرها علماء الجزائر بالحواضر الإسلامية الكبرى بالمشرق العربي والتي أوردت في الرحلات، فيقدم لنا المقري مناظرة فقهية مع علماء مصر حول تفسير سورة النور.

وقد وقعت بينه وبين أهل مصر منازعات أسفرت عن التسليم بحفظه، إذ حضر المقري سوق الكتب فوجد تفسيرا غريبا عنسورة النور، فتكلم ذلك المفسر على مسألة فقهية، فحفظ المقري ذلك كله فكان من غريب الاتفاق أنه بقرب ذلك اجتمع علماء البلد في دعوة حضرها المقري. فلما استقر بهم المجلس إذ برجل في يده بطاقة يسأل عن المسألة التي حفظها المقري، فدفعت للأول من أهل المجلس فنظر فكأنه لم يستحضر فيها شيئا، فلم يستطع أحد الحاضرين الإجابة، حتى وصلت المقري فلما رأها استدعى بالدواة فكتب فيها الجواب كما حفظ، فجعلوا ينظرون إليه متعجبين فلما أنهى كتبتها قالوا من ذكر هذا، فدخلهم من ذلك ما هو من شان النفوس ولم يزل بمصر إلا أن حصلت له بها الشهرة التامة. وقد سجل لنا المحبي في خلاصة الأثر مناظرة شعرية كانت بين المقري والعمادي في مجلس علم بدمشق حضره أعيانها، وكان ارتجالهم شعري فقال المقري:
تحلوا إذ كررت ذوقا وعادت ما أعيد أن يلتقي بالكره والملل
فقال العمادي:
لعل اعلاله بالثلج ثانيه يدب منها نسبهم البرد في علل
فقال المقري:
إذ عاني لمصر ذكر معلمها أجاب دمعي الداعي سوى طلل
وقال العمادي:
يا بردها ثلجة جاءت على كبد جراء من فرقة الأحباب في وجل

كما جرت بينه وبين الأمير منجك الدمشقي سجالات شعرية ارتجالية من 18 بيتا في صالحية دمشق.

ومن أمثلة المناظرات التي أوردها أبو راس الناصر خلال رحلة إلى المشرق العربي نذكر، المناظرة التي جرت بينه وبين علماء مصر إذ يقول: "اجتمعت مع علماء مصر بالجامع الأعظم وتناظرنا وتذاكرنا في مسائل جمة ثم قالوا لي من لقب بالحافظ لابد له أن يختص بشيء دون غيره وأنت ماذا تحفظ ؟، قلت أحفظ كذا وكذا متنا من سائر العلوم، قالوا فينا كثيرا من الناس يحفظ مثلك وأكثر". فقلت أحفظ ألفية ابن مالك وما من باب فيها أو فصل إلا وأعرف كم فيه من بيت بديهية، قالوا هذا لم نرى من يخصه، ولا يسمعنا به وشرعوا في امتحاني وتزييف مكاني، فأخرج احدهم كتاب الألفية وفتحه من آخره فخرج له باب التصغير فقال ليك ما فيه من بيت، فقالت اثنان وعشرون،بياتا فحسبوه فوجدوه ثلاثة وعشرين فصاحوا وضحكوا وأرادوا جميع التزييف، وتكذيب ما عندي وتكذيب ما عندي فقلت ناولني والكتاب، فأخذته...فإذ فيه التكبير أدخلت سهو من الكاتب وتأملتها في أولها خاء بالحمرة لا يدركها إلا المتأهل وفي آخرها طاء، ولم تطب أنفسهم حتى طالعوا نسخا عديدة صححا من الألفية وحسبوا فيها الأبيات فلم يجدوا إلا اثنان وعشرين بياتا، فألقوا السلام واعترفوا لي، فارتفع ذكري وازداد فخري.

ومن سلسلة المناظرات التي أوردها أبوراس الناصر في المشرق العربي، تلك المناظرات الفقهية التي جرت بينه وبين علماء الوهابية، وهذا الصدد يقول : "... ولما ذهبت لقيت علماء الوهابية وهم تسعة علماء فوقع لي معهم مناظرة ومباحثة واعتراضات وسؤالات وأجوبة فائقات ودلائل قاطعات وأحاديث مروية عن أكابر الأئمة من الأمهات ثم تناظرنا بعد صلاة العصر قبالة الحجر في صلاة العصر وقراءة دليل الخيرات ذو التسبيح وهدم مباني الأولياء ذوي الكرامات، فرجعوا عن البعض بعد الاستدلال بالنصوص العظيمة."

ويواصل أبو راس الناصر سرد تفاصيل تلك المناظرة وكان ظني فيهم أنهم حنابلة فاوضتهم في قصر الصلاة، فقلت أن الإمام احمد ابن حنبل عنده نية إقامة أربع أيام صحاح تقطع السفر، فقالوا عندنا القصر لا ينقطع ما دام السفر، فعلمت أنهم خارجون عن المذاهب الأربعة في الفروع، أما في العقائد فهم على ما عليه الإمام أحمد.

ثم دخل الرملة ولقي مفتيها وعلمائها " فتعارضنا زمنا في الدخان و القهوة فأجبتهم بمقال العلماء في ذلك وذكرت لهم نص أبي السعود فأكرموني وقد زار مدينة غزة وكذلك التقى مع علمائها وتناظر معهم ولقيت علمائها فضيفوني وأكرموني وتناظرت في مسائل العلم المختلفات فاعترفوا بفضلي.

أما الشام فلم يستثنها أبو راس الناصر من هذا المجال إذ يقول: ".. رحلت إلى الشام فتكلمت مع علمائها في مسألة من الحبس، نص عليها الشيخ أبو زكرياء ابن الخطاب رحمه الله إذ طال بحثنا فيها جدا ثم إنهم بقولي أنصفوني ووفقوني بعد الدلائل القاطعة والأجوبة الرائقة، والمباحث الفائقة، وذلك شأن العلماء".

وكان ليحي الشاوي سجالات فكرية مع فقهاء عصره خاصة المتصوفة الذين غلبوا الباطن على الظاهر وطغت عليهم الغيبيات والخرافة والاعتقاد في الأولياء، كما وجه انتقادات لاذعة للفكر الاعتزالي وللفكر الفلسفي، الذي رأى فيه محاربة للإسلام وخروجا عن الشريعة وأكثر من وجه له سهام النقد نور الدين ابراهيم التوراني.

وعلى هذا الأساس فالمناظرة في هذا السياق تنقل من مجرد النقاش ومحاججة بهدف إزالة اللبس في قضية ما، لذا فهي تقتضي طرفين في المجادلة والمناظرة، أما جمهور من ذوي المعرفة فهي تقوم على أساسين أو اتجاهين متعارضين حول قضية ما، ومن أمثلة ذلك في رحلة الورتيلاني مناظرته مع الشيخ سيدي علي الصعيدي التي أورد فيها "وقد حضرت مجلسه في الفقه في مختصر خليل شرح الشيح الخرشي وهو يخشى فيه...وقد باحثته في بعض المسائل الفقهية في مجلس إقرائه إذ وجدته في السهو من الشيخ الخرشي المذكور فأسرد على الشيخ الخرشي غير أنه لم يغلظ عليه ويكثر من قوله كلام الخرشي فاسد فلما سمعت ذلك أصابتني الغيرة".

وقد تحفظ الورتيلاني على كلام شيخه إلى أن أنتهى ليتجه ويحاججه بالحسنى: فلما أتم كلامه أغلظت عليه القول فلم يؤخذني بذلك بل قال مالي أنا فقلت له: المعطوففي الحقيقة محذوف تقديره كتشهد وسر في بعض الفاتحة أي كترك تشهد وترك السر بأن أعلن وقد صور المصنف الشيء بضده ولذلك قلنا المعطوف في الحقيقة محذوف كما سبق، فسلم رضي الله عنه على يدي وقبلها".

ومن خلال نصوص هذه المناظرات يتضح مدى تفوق علماء الجزائر في الكثير من المحاورات والسجالات وهذا يدل على سعة ثقافتهم وإحاطتهم بجميع علوم عصرهم.

المطلب الثالث: التأليف والإنتاج الفكري

بعد أن تصدر علماء الجزائر التدريس، وشاركوا في جل النشاطات الثقافية والعلمية بالحواضر الكبرى ببلاد المشرق خلال العهد العثماني نجدهم أيضا قد أثروا مكتبات المشرق، وتركوا ثروة من الإنتاج الفكري متمثلة في مجموعة من المؤلفات في شتى أنواع العلوم والفنون التي عاصروها.

1-العلوم الشرعية: ألف في هذا الفرع العديد من العلماء الجزائريين حيث ألف يحي الشاوي مجموعة من الكتب، مثل كتاب في المحاكمة لأبي حيان المفسر والزمخشري ابن عطية في التفسير في نحو ثلاثين كراسا توجد نسخة منه بمكة والأزهر بمصر منقولة عن النسخة الأصلية للمؤلف تحت الرقم (1254) ألفه في أقل من شهرين، والتحفة الربانية في جواب الأسئلة، توكيد العقد فيما أخذه علينا الله من عهد.

كما ترك أبو راس الناصر بعض المؤلفات في ميدان العلوم الشرعية وأهمها:
 الإبرير والإكسير في التفسير.
 نزهة الفضائل في شرح الشمائل.
 الآيات البينات في شرح الخيرات.
 مفاتيح أسنها في الأحاديث الذي اختلف في معناها.
 النور الساري في شرح صحيح البخاري.

ونجد أن احمد المقري قد ألف مجموعة من التأليف في ميدان العلوم الشرعية ومن أهم كتبه في هذا الميدان:
 إضاءة الدجنة وهو نظم ذلك في رحلته وهي تحت عنوان إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة.
 إتحاف المغرم المغري في شرح السنوسية (الصغرى) في التوحيد (مخطوط).
 أجوبة في اجتناب الدخان (رسالة مخطوطة).
 شرح قصيدة سبحان من قسم الحظوظ (مفقود) إعراب القرآن (مخطوط).
 إعمال الذهن والفكر في المسائل المتنوعة الأجناس.
 حسن الثنى في العفو عمن جنى، وحسب نصر الدين سعيدوني فان هذا الكتاب نسب له بالغلط لشلبي الرومي.
 فتح المتعال في مدح النعال حيث شرع في تأليفه في رمضان 1033هـ/1624م بالمدينة المنورة وأعاد كتابته عند قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالروضة النبوية، طبع سنة 1334هـ بمدينة جيد آباد بالهند.
 أزهار الكمامة في أخبار العمامة ونبذة من ملابس المخصوص بالإسراء والإمام ألفه بالروضة النبوية اتجاه رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفها ومدحها لا سيما عمامته ذكرها في هذا المخطوط في إجازاته لابن شاهين.
 الدر الثمين في أسماء الأمين، وهو أرجوزة في أسماء المصطفى صلى الله عليه وسلم.

2-علوم اللغة والأدب: وقد ترك علماء الجزائر مؤلفات عديدة في هذا المجال أفادوا فيها وأجادوا، وان دلت على شيء تدل على ثقافتهم ومدى موسوعيتهم.

ومن أهم مؤلفات المقري في هذا المجال البدأة والنشاط وكله أدب ونظم.
 اتحاف السادة بضوابط حروف الزيادة (رسالة في النحو).
 أسئلة وأجوبة شريفة حوت رقائق لطيفة، ودقائق منيفة وهو مجموعة أشعار في مدح دمشق وأغراض أخرى.
 شرح ألفية ابن مالك.
 ديوان المقري و أغلبه في المدح النبوي والشوق موزعة على العديد من المخطوطات.
 أمالي المقري، وهي بعض أشعاره وأماليه جمعها تلميذه يحي المحاسني الدمشقي العنبر السحري فيما أنشد به المقري جمعها أحمد العمادي.
 المقرية، هي قصيدة في مائة وثلاثة أبيات ألفها المقري 1038هـ/1624م، وهي الرثاء والاعتبار بمن مضى وطبعت ضمن مقدمة نفح الطيب في جميع طبعات الكتاب ولها شروح.

ولقد استغرق يحي الشاوي سنوات في شرح الشروح وتحشية الحواشي خاصة في النحو، کشرح مقامات الحريري ونظم لامية في اسم الجلالة.

كما ألف كتاب أصول النحو الذي سلك فيه أسلوب السيوطي في الافتتاح، ووضعه باسم السلطان محمود خان الأول.
 شرح التسهيل لابن مالك.

ولقد اشتهر أبو راس الناصر بمؤلفاته العديدة العديدة، التي اعتمد فيها على الحفظ والنقل والرواية في مختلف الأغراض ومن أهم مؤلفاته في هذا الفرع نذكر:
 البشائر والإسعاد في شرح بانت سعاد.
 لامية في كعب بن زهير الصحابي.
 نيل الإرب في شرح لامية العرب.

3-علم التاريخ:
ألف أبو راس الناصر في علم التاريخ كتاب زهرة الشماريخ في علم التاريخ، فتح الإله ومتنه في التحدث بفضل ربي ونعمته، كتاب يقدم لنا حياة أبو راس الناصر نفسه، فهو نوع من السيرة الذاتية تحدث فيه المؤلف عن أهله وبينه وشيوخه وعلومه، أسفاره ومن لقيهم من علماء المغرب والمشرق. وما سئل عنه من المسائل العلمية وإجاباته على ذلك وأخيرا يذكر فيه مؤلفاته في كل فرع من فروع المعرفة والشائعة في ذلك الوقت.

ومن أشهر مؤلفات المقري في هذا الفرع هو موسوعة نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب وذكرها وزيرها لسان الدين ابن الخطيب، شرح في تأليفه بعد رجوعه من دمشق إلى القاهرة 1037هـ/ 1628، وأتمه سنة 1039هـ 639م نزل عند رغبة تلميذه أحمد بن شاهين.

ويتألف نفح الطيب من قسمين رئيسيين الأول فيها يتعلق بالأندلس من الأخبار وذكر أخبار ذلك الفردوس المفقود.

وذكر المقري فيه تاريخ وجغرافية سكان الأندلس منذ أن فتحها طارق بن زياد إلى آخر أيام بني نصر بغرناطة (1491/897م) والقسم الثاني خصه للتعريف بلسان الدين ابن الخطيب، وجعل لكل قسم ثماني أبواب.

كما يحتوي نفح الطيب على اقتباسات لنصوص وعرض الروايات وتسجيل الذكريات سواء منها ما يتصل بالأندلس أو تعليق بلسان الدين بن الخطيب، فهو يجعل القارئ ينتقل من موقف إلى موقف ويستعرض أمامه العديد من الرسائل والقصائد والنتف والشذرات والتي تعمق ثقافته وتوسع أفقه وتزيد معرفته بالموضوع، وهذا ما جعل نفح الطيب مصدرا لا غنى عنه في تاريخ الأندلس، ومن هذا الكتاب نسخ مخطوطة في مختلف المكتبات بالعالم.

عرف النشق في أخبار دمشق: جمع فيه ما قيل في مدح دمشق من أشعار وهو في حكم المفقود بالإضافة إلى شرح مقدمة ابن خلدون ذكرها حاج خليفة في كشف الظنون، الدر المختار من نوادر الأخبار، وكتاب النمط الأكمل في ذكر المستقبل.

خلاصة الفصل:

شكل التواصل الثقافي بين الجزائر والمشرق خلال العهد العثماني أهم المحاور للحياة الثقافية للجزائر العثمانية إذ كان للعلماء الجزائريين اثر في الحياة الثقافية والعلمية بالمشرق، حيث مارسوا مختلف الانشطة العلمية فقد قاموا بعقد المناظرات ومنح الاجازات العلمية لعلماء المشرق والاخذ عنهم، كما عقدوا المجالس العلمية والدروس إذ مثلت المجالس العلمية أداة لعرض وتبادل الافكار والقدرات بينهم وبين علماء المشرق فقد عقدوا الدروس في مختلف الحواضر الكبرى كالجامع الازهر والمسجد الاموي والحرم المكي، وقد شكلت الرحلات التي قام بها علماء الجزائر نحو المشرق في العهد العثماني آلية من آليات التواصل الحضاري، بين الجزائر والمشرق ولغة تواصل حقيقي من خلال ما حفلت به من اسماء لعلماء وادباء ومختلف المواد العلمية، وفي هذا الفصل سوف نحاول اماطة اللثام على أهم مظاهر التواصل الثقافي بين الجزائر العثمانية والعالم العربي.

كتبه: [دحومي صلاح الدين]



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بحث حول سير غاز gpl

بحث حول منهج دراسة الحالة

تقرير نهاية التربص بالتكوين المهني تخصص عون حفظ بيانات