النصوص الموازية و العتبات النصية
النصوص الموازية وأهميتها في النقد الأدبي: دليل شامل للباحث والقارئ
تمهيد
عالم الأدب والنصوص يحمل بين طياته أسرارًا متعددة، من أبرزها ما يُعرف بـ النصوص الموازية أو العتبات النصية، وهي العناصر التي تمهّد الطريق للقارئ لفهم النص واستكشاف أبعاده. هذه العتبات ليست مجرد كلمات أو عناوين، بل هي بوابات تمكننا من فك شفرة النصوص الأدبية، وفهم مقاصد الكاتب، وتوضيح الغموض الذي قد يكتنف العمل الأدبي.
في هذا المقال، سنستعرض مفهوم النصوص الموازية، أهميتها في النقد الأدبي الغربي والعربي، ونلقي الضوء على حياة وأعمال الناقد حسين أبو النجا، الذي ساهم بشكل بارز في دراسة هذه الظاهرة.
المطلب الأول: مفهوم النصوص الموازية
1. تعريف النص
أ. تعريف النص لغة
كلمة "نص" في العربية تعني الوصول إلى أقصى الشيء وتمامه. فالنص في أصله يشير إلى الغاية القصوى، وقد استُخدم هذا المعنى في السير، وفي استقصاء المعلومات، وحتى في النصوص الدينية لتحديد الأحكام والمعاني الدقيقة. يقول ابن الأعرابي إن "النص أصله منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها"، ويضيف الأزهري: "نص الحقائق هو إدراك المضمون الكامل".
ب. تعريف النص اصطلاحًا
من الناحية العلمية والأدبية، هناك عدة تعريفات للنص:
-
روجيه فولر: النص هو بنية متسلسلة من الجمل المترابطة تشكل انسجامًا داخليًا.
-
رولان بارت: النص هو نسيج من الكلمات المنظومة في شكل يعطي معنى جديدًا ومتسقًا، ولكنه يظل محجوبًا جزئيًا عن القارئ ليكتشفه عبر التحليل.
-
محمد عبد اللطيف حماسة: النص هو رسالة لغوية مشغولة في فضاء محدد، لها بنية نحوية ودلالية متكاملة.
باختصار، النص هو بنية لغوية ودلالية مكتملة، يمكن تحليلها وفك شفراتها عبر مختلف الأساليب النقدية.
2. تعريف النص الموازي
النص الموازي هو نص مضمر يفترض وجود نص آخر يسير بموازاته، حيث يتفاعل معه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
في اللغات الغربية، مصطلح Paratexte يتكون من جزأين:
-
Para: تشير إلى التشابه والموازاة.
-
Texte: النص الكامل.
النص الموازي يمثل متعاليات نصية تحيط بالنص الأصلي، مثل العنوان، الغلاف، الملاحظات، والإهداءات، لتساعد القارئ على فهم النص بشكل أعمق. وقد أسس الناقد جيرار جينيت لهذا المفهوم في كتابه Seuils (1987)، وجعل منه أداة لفهم العلاقة بين النص وجمهوره.
3. تعريف العتبات النصية
العتبات النصية هي علامات أو مؤشرات تسبق النص أو تحيط به لتسهيل استيعابه، مثل:
-
العناوين والفهارس
-
المقدمات والإهداءات
-
الهوامش والحواشي
وهذه العتبات تعمل كـ جسور تربط القارئ بالنص، مما يساعده على تفسيره وفهمه في سياقه الثقافي والتاريخي.
4. أقسام النص الموازي حسب جيرار جينيت
ينقسم النص الموازي إلى:
أ. النص المحيط (Peritexte)
يشمل كل ما يدور حول النص داخل الكتاب:
-
نشري: الغلاف، كلمة الناشر، السلسلة، صفحة العنوان.
-
تأليفي: اسم الكاتب، العناوين الداخلية، المقدمة، الاستهلال.
ب. النص الفوقي (Epitexte)
يشمل كل ما يتعلق بالنص خارج الكتاب:
-
عام: اللقاءات الصحفية، المؤتمرات، النقاشات.
-
خاص: المراسلات، المذكرات، التعليقات الشخصية للكاتب.
ويمكن صياغة المعادلة التالية:
المناص (النص الموازي) = النص المحيط + النص الفوقي
المطلب الثاني: النصوص الموازية في النقد الأدبي وأهميتها
1. النص الموازي في النقد الغربي
قبل جينيت، تناول بعض النقاد مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا وفيليب لوغان مفهوم العتبات النصية ضمن مقالاتهم، مؤكدين أنها شبكة من الإشارات والنصوص المرافقة للنص الأصلي تساعد على فهمه ضمن سياق اجتماعي وثقافي أوسع.
جينيت أعاد تعريف النص الموازي كـ بوابات جدلية بين النص والجمهور، وأكد أن العلاقة بين العتبات والنص ليست انفصالية بل تفاعلية، مما يتيح للباحث استكشاف النصوص بطريقة شاملة ودقيقة.
2. النص الموازي في النقد العربي
في التراث العربي، كان التركيز على التصدير والفاتحة والمقدمات كجزء من النصوص الموازية، حيث كانت هذه العناصر تحدد غرض النص ومضمونه.
مع ظهور النقد العربي الحديث، بدأ الباحثون مثل سعيد يقطين ومحمد بنيس وجميل حمداوي في تبني مفهوم النص الموازي، مع إعطاء أهمية للعناوين، الهوامش، الصور، والإهداءات كجزء من التحليل النقدي، معتبرين أنها نصوص مستقلة تتفاعل مع النص الأصلي وتضفي عليه بعدًا دلاليًا وجماليًا.
3. أهمية النصوص الموازية
-
توضيح الغموض في النص.
-
تحديد مقاصد الكاتب وإبراز أبعاد النص الدلالية.
-
ربط القارئ بالنص ثقافيًا وفكريًا.
-
توفير أدوات نقدية للباحثين لدراسة التفاعلات بين النصوص.
المطلب الثالث: نبذة عن حياة حسين أبو النجا
الناقد حسين أبو النجا يعتبر من أبرز الباحثين في مجال النقد الأدبي العربي، واهتم بدراسة العلاقات بين النصوص والمحيط الثقافي والفكري للنصوص الموازية. وقد ساهمت أعماله في:
-
توسيع آفاق فهم النصوص الأدبية.
-
تقديم أدوات منهجية لفك شفرة النصوص الموازية في الأدب العربي الحديث والمعاصر.
-
ربط التراث العربي بالنظريات النقدية الغربية، مما عزز مكانة النصوص الموازية في الدراسات النقدية.
خاتمة
النصوص الموازية أو العتبات النصية هي جسور حيوية بين النص وجمهوره، تجعل من عملية القراءة تجربة ثرية، تمنح الباحث القدرة على فهم النصوص بعمق أكبر. سواء في التراث العربي أو في النقد الغربي الحديث، تظل هذه الظاهرة أداة أساسية لفك رموز النصوص وتقدير قيمتها الأدبية والجمالية.
الاهتمام بالنصوص الموازية لا يقتصر على التحليل الأكاديمي فحسب، بل يمتد ليشمل تجربة القراءة اليومية، حيث تصبح كل كلمة، عنوان، أو مقدمة نافذة تفتح القارئ على عوالم النص المتعددة.
كتبه: [دحومي صلاح الدين]
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق