علاقة الحوكمة البيئية بالتنمية المستدامة
علاقة الحوكمة البيئية بالتنمية المستدامة
تمهيد
تحقيق التنمية المستدامة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحوكمة البيئية، إذ لا يمكن التفكير في تقدم المجتمع دون مراعاة البيئة التي تشكل أساس الحياة واستمراريتها. فالحوكمة البيئية ليست مجرد أداة إدارية، بل إطار شامل يضمن أن تكون القرارات والسياسات منسجمة مع أهداف التنمية المستدامة، مما ينعكس إيجابًا على جودة الحياة للأجيال الحالية والمستقبلية.
في هذا المقال، سنستعرض المقاربات المختلفة التي تفسر علاقة الحوكمة البيئية بالتنمية المستدامة، ونتناول دورها في تحقيق هذه التنمية، أهم التحديات التي تواجه تطبيقها، وأخيرًا دور الفاعلين الرئيسيين في هذا المجال.
المبحث الأول: المقاربات التفسيرية لعلاقة الحوكمة البيئية بالتنمية المستدامة
الحوكمة البيئية تمثل عنصرًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة. فالتدهور البيئي العالمي أدى إلى دعوات مستمرة لإدماج البعد البيئي في خطط التنمية على المستويين الوطني والدولي، خاصة في مواجهة تغير المناخ والكوارث الطبيعية والتلوث والتصحر. ومع أن التنمية تهدف إلى تحسين مستوى حياة الإنسان، إلا أنها في بعض الحالات ساهمت في استنزاف الموارد البيئية وإحداث أضرار بيئية جسيمة.
كما أشار تقرير "جون هنوكس"، الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان في بيئة آمنة ونظيفة:
"انتقلت الشواغل البيئية من الهامش إلى قلب الجهود الإنسانية الرامية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدة ضرورة حماية البيئة لضمان مستقبل الأجيال القادمة."
المطلب الأول: المقاربات العامة للحوكمة البيئية
تشمل المقاربات العامة مجموعة من الأطر والمفاهيم التي تهدف إلى تحسين إدارة الموارد البيئية وتحقيق الاستدامة، وهي:
-
المقاربة المؤسسية: تركز على دور المؤسسات والهياكل التنظيمية في إدارة الموارد البيئية، مع تحليل الجوانب القانونية والسياسية والاقتصادية لتحسين سياساتها وتعزيز الاستدامة.
-
المقاربة التشاركية: تؤكد على إشراك جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لتعزيز الشفافية والمساءلة والتعاون في اتخاذ القرارات البيئية.
-
المقاربة الاقتصادية: تعتمد على الأدوات المالية والاقتصادية مثل الضرائب البيئية وحوافز الاستدامة لتشجيع الممارسات الصديقة للبيئة.
-
المقاربة البيئية-الاجتماعية: تركز على العدالة الاجتماعية في توزيع الفوائد والأعباء البيئية بين مختلف فئات المجتمع، خاصة الضعفاء والمهمشين.
-
المقاربة التقنية-العلمية: تعتمد على الابتكار والبحث العلمي لتقديم حلول للتحديات البيئية، مثل تقنيات الحد من التلوث وتحسين كفاءة الموارد.
-
المقاربة الشاملة: تجمع بين جميع الأبعاد السابقة لوضع استراتيجيات متكاملة لتحقيق التنمية المستدامة.
المطلب الثاني: المقاربات الخاصة للحوكمة البيئية
-
المقاربة السلوكية:
-
المدخل التقليدي: يركز على السمات الفردية للشخصية وتأثيرها على السلوك البيئي.
-
المدخل الإيكولوجي: يدرس تأثير البيئة الكلية على السلوك الإنساني، ويمثل أساس علم النفس البيئي والبيوإيكولوجي.
-
-
المقاربة القانونية: تركز على دور القوانين والاتفاقيات الدولية في تنظيم علاقة الإنسان بالبيئة، وتعزيز التنمية المستدامة.
-
مقاربة علم الاجتماع البيئي: تحلل العلاقة بين الإنسان وبيئته من منظور اجتماعي وثقافي وبيولوجي، مؤكدة أن التفاعل بين الإنسان والطبيعة أساس التكيف والتغير البيئي.
المطلب الثالث: دور الحوكمة البيئية وتحديات تطبيقها
أولًا: دور الحوكمة البيئية
-
إعداد ومراجعة الاستراتيجيات والسياسات البيئية.
-
تحويل التشريعات الدولية إلى سياسات وطنية وتنفيذها محليًا.
-
تعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات ودمج المعايير البيئية في القطاع الخاص (ISO 14000).
-
إشراك المجتمع المدني لتعزيز الشرعية الديمقراطية للحوكمة البيئية.
ثانيًا: التحديات
-
تأخر القضايا البيئية في أجندة الأولويات الوطنية.
-
ضعف وعي المجتمع بأهمية السياسات الخضراء.
-
ترابط المياه والطاقة والغذاء وزيادة الطلب على الموارد.
-
الصراعات الداخلية المسلحة وتأثيرها على إدارة البيئة.
-
الأولوية المفرطة للنمو الاقتصادي على حساب حماية البيئة.
المبحث الثاني: دور الفواعل في الحوكمة البيئية
المطلب الأول: الفواعل الدولاتية
-
الدول والحكومات: تقوم بالتربية البيئية، وضع السياسات، المراقبة، وتشجيع الابتكار البيئي.
-
المنظمات الدولية:
-
برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP): متابعة الشأن البيئي، تقديم المشورة التقنية، وزيادة الوعي العالمي.
-
لجنة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (CSD): تعزيز التكامل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
-
اللجنة العالمية حول البيئة: وضع استراتيجيات طويلة المدى للتنمية المستدامة.
-
المطلب الثاني: الفواعل غير الدولاتية
-
المنظمات غير الحكومية: تشارك في وضع جدول الأعمال البيئي، صياغة السياسات، مراقبة الالتزامات الدولية، التوعية، وتطوير معايير دولية.
-
تستخدم هذه المنظمات استراتيجيات متعددة مثل الخبرة والتحليل، تعبئة الرأي العام، الإعلام، وتقديم المشورة لصناع القرار، لتعزيز الحوكمة البيئية العالمية.
خلاصة الفصل
البيئة تمثل الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة، والحوكمة البيئية هي الإطار الذي يضمن استدامتها. من خلال التعاون بين الفواعل الوطنية والإقليمية والدولية، وتطبيق استراتيجيات شاملة وفعالة، يمكن حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، مع تأمين حقوق الأجيال القادمة في بيئة صحية ومستقرة.
قائمة المصادر و المراجع:
مريم أحمد مصطفى، دراسات في التنمية و التغيير في الدول النامية، دار المعرفة الجامعية، القاهرة ، 2009، ص221 .
سحر أمين كاتوت،
البيئة والمجتمع دار دجلة، الأردن، 2009، ص136
مراد بن سعيد،
الحوكمة البيئية في مرحلة العولمة: مقاربة مفاهيمية، حوليات جامعة قالمة للعلوم
الاجتماعية و الانسانية، العدد11، جوان 2015، ص 93.
المقاربة
التشاركية في مجال البيئة و التنمية المستدامة، مقال منشور على موقع وزارة البيئة
التونسية https://www.environnement.gov.tn/ ،
تاريخ الاطلاع: 01/06/2024.
تعليقات
إرسال تعليق