علاقة المشاركة السياسية بالثقافة السياسية
علاقة المشاركة السياسية بالثقافة السياسية
بقلم: دحومي صلاح الدين
مقدمة
تُعدّ المشاركة السياسية إحدى الركائز الأساسية لأي نظام سياسي يسعى إلى تحقيق تمثيل حقيقي للإرادة الشعبية، إذ تشكّل الوسيلة التي يباشر المواطنون من خلالها حقهم في التأثير في الشأن العام. وتتخذ هذه المشاركة أشكالًا متعددة، تبدأ بالمؤسسات الرسمية مثل الانتخابات والأحزاب والبرلمان، ولا تنتهي عند الأدوات غير التقليدية كالحركات الاجتماعية ووسائل الإعلام الرقمية.
غير أنّ المشاركة السياسية لا يمكن فهمها بوصفها فعلًا فرديًا معزولًا، بل هي نتاج سياق اجتماعي وثقافي أوسع تحكمه منظومة من القيم والمعتقدات والاتجاهات، وهو ما يُعرف بالثقافة السياسية. فالوعي السياسي، وتمثّل الفرد لدوره داخل المجتمع، ونظرته إلى السلطة والشرعية، ومدى ثقته في المؤسسات، كلها عناصر لا تنشأ من فراغ، وإنما تتشكل عبر مسار تراكمي يتداخل فيه التاريخ، والتعليم، والتنشئة الاجتماعية، والخبرة السياسية.
ومن هنا تبرز الثقافة السياسية بوصفها المفتاح التفسيري الأهم لفهم أسباب إقبال المواطنين على المشاركة السياسية أو عزوفهم عنها، ولماذا تشهد بعض المجتمعات حيوية سياسية ملحوظة في حين تسود اللامبالاة أو السلبية في مجتمعات أخرى.
وفي السياق العربي عمومًا، والجزائري خصوصًا، يلاحظ أنّ ضعف المشاركة السياسية – رغم توفر قنوات مؤسسية – يرتبط بعوامل ثقافية وسياسية متشابكة، من أبرزها تراكم الإرث السلطوي، وهشاشة المجتمع المدني، وضعف الثقة في الفعل السياسي، وانتشار تصورات سلبية حول جدوى المشاركة. غير أنّ أحداث العقد الأخير، ولا سيما الحراك الشعبي لسنة 2019، كشفت عن تحوّل لافت في الثقافة السياسية، حيث استعاد المواطن، خاصة فئة الشباب، حضوره في المجال العام، وفرض نفسه فاعلًا رئيسيًا في الشأن السياسي.
انطلاقًا من ذلك، تكتسب دراسة العلاقة بين الثقافة السياسية والمشاركة السياسية أهمية علمية ومنهجية، ليس فقط لفهم الواقع السياسي الراهن، وإنما أيضًا لاستشراف آفاق التحول الديمقراطي، ودور التعليم والإعلام والمجتمع المدني في بناء ثقافة مشاركة ديمقراطية مستدامة.
وعليه، تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية التالية:
كيف تؤثر الثقافة السياسية في مستوى المشاركة السياسية داخل المجتمع؟
المبحث الأول: المشاركة السياسية
1. تعريف المشاركة السياسية
1.1 التعريف اللغوي والاصطلاحي
تشير المشاركة في اللغة العربية إلى
المعنى المشترك بين الأفراد في أمر ما، وهو ما يعبر عنه بكلمة "الشركة" أو
"التشارك". أما اصطلاحياً، فقد عُرِّفت المشاركة السياسية بأنها:
"تلك الأنشطة السياسية التي يشارك
بمقتضاها أفراد مجتمع ما في اختيار حكامهم وفي صياغة السياسة العامة بشكل مباشر أو
غير مباشر" (سعد والزيبات، 2003، ص 365).
وهذا يعني أن المشاركة السياسية تشمل
كل فعل أو نشاط يهدف إلى التأثير في القرارات السياسية أو في اختيار القادة السياسيين.
1.2 التعريفات العلمية
للمشاركة السياسية
تعددت التعريفات العلمية للمشاركة السياسية
بتعدد الزوايا التي ينظر منها الباحثون:
التعريف الواسع:
يرى كاسفير (Kasfir)
أن المشاركة تعني "الانشغال بالسياسة" وهو تعريف شامل لا يستثني أي عمل سياسي
(عبد الوهاب، 2000، ص 112).
التعريف الضيق:
يعرفها غرينستين (Greenstein)
بأنها "المشاركة في عملية التصويت" (نفس المرجع، ص 112).
التعريف التطوعي:
يرى وينر (Weiner)
أن المشاركة السياسية هي "فعل تطوعي، منظم أو غير منظم، مشروع أو غير مشروع، يهدف
إلى التأثير في اختيار السياسة العامة أو القادة السياسيين" (سعد والزيبات،
2003، ص 449).
1.3 الخصائص الرئيسية للمشاركة
السياسية
من خلال التعريفات السابقة، يمكن استخلاص
الخصائص التالية:
-الطوعية: المشاركة فعل إرادي غير مُجبَر
عليه.
-الهدفية: تهدف إلى التأثير في القرارات
السياسية.
-التعددية: تأخذ أشكالاً متعددة (تصويت،
انتماء حزبي، احتجاج...).
-الشرعية/عدم الشرعية: يمكن أن تكون
ضمن الأطر القانونية أو خارجة عنها.
-المكتسبة: ليست فطرية، بل تكتسب من
خلال التنشئة الاجتماعية والسياسية.
2. أهمية المشاركة السياسية
تكمن أهمية المشاركة السياسية في كونها:
-ركيزة الديمقراطية: لا ديمقراطية بدون
مشاركة شعبية فاعلة.
-أداة للرقابة: تمكّن المواطنين من
مراقبة أداء الحكام ومحاسبتهم.
-وسيلة للتعبير: تعبر عن مصالح الفئات
المختلفة في المجتمع.
-عامل استقرار: تساهم في تعزيز الشرعية
السياسية واستقرار النظام.
-أداة تنموية: تتيح للمواطنين المساهمة
في صياغة سياسات التنمية.
"المشاركة السياسية هي العامل
الحيوي للممارسة الديمقراطية وقوامها الأساسي، والتعبير العملي والصريح لسيادة قيم
الحرية والعدالة والمساواة في المجتمع" (الباز، 2006، ص 6).
3. مستويات المشاركة السياسية
تتفاوت مستويات المشاركة السياسية بين
الأفراد والمجتمعات، ويمكن تصنيفها كما يلي:
3.1 تصنيف ليستر ميلبراث
(Lester Milbrath)
قسَّم ميلبراث المشاركة السياسية إلى
ثلاثة مستويات هرمية:
-المستوى الأعلى (الجادلون): يشمل الناشطين
السياسيين (كالمرشحين، أعضاء الأحزاب، القائمين بالاتصالات السياسية).
-المستوى المتوسط (المتفرجون): يقتصر
على التصويت في الانتخابات.
-المستوى الأدنى (اللامباليون): لا
يشاركون ولا يهتمون بالشأن السياسي.
3.2 تصنيف فيربا وناي
(Verba & Nie)
قسما المشاركة السياسية إلى ست مجموعات:
-غير المشاركين (%22).
-المقتصرون على التصويت (%21).
-المهتمون بالاتصال (%20).
-أصحاب المصلحة الخاصة (%4).
-المشاركون في الحملات فقط (%15).
-المشاركون الفعالون (%18).
3.3 تصنيف روش وألثوف
(Rush & Althoff)
قدما تسلسلاً هرمياً يبدأ بـ:
تقلد منصب سياسي.
العضوية النشطة في تنظيم سياسي.
المشاركة في المناقشات السياسية.
التصويت.
اللامبالاة التامة.
4. قنوات المشاركة السياسية
تتم المشاركة السياسية عبر قنوات متعددة،
منها:
4.1 الانتخابات
تُعدُّ الانتخابات القناة الأساسية
للمشاركة السياسية في الأنظمة الديمقراطية، حيث يتم من خلالها اختيار الحكام وممثلي
الشعب.
"الانتخاب هو الصيغة الدنيا والأكثر
انتشاراً للانخراط في المشاركة السياسية" (وليام ستون).
4.2 الأحزاب السياسية
تمثل الأحزاب السياسية إطاراً مهماً
لتنظيم المشاركة السياسية، حيث تقوم بجمع المطالب الشعبية وترجمتها إلى برامج سياسية.
4.3 المجتمع المدني
تشمل المنظمات غير الحكومية والنقابات
والجمعيات التي تتيح للمواطنين المشاركة في الشأن العام خارج الأطر الحزبية الرسمية.
4.4 جماعات الضغط
تسعى هذه الجماعات إلى التأثير في صنع
القرار عبر وسائل الضغط المختلفة (كاللوبيات، الحملات الإعلامية، الاحتجاجات السلمية).
4.5 وسائل الإعلام والإعلام
الجديد
تلعب وسائل الإعلام التقليدية والحديثة
(كالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي) دوراً حاسماً في تشكيل الرأي العام وتعبئة المشاركة
السياسية.
"أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي
قناة جديدة للمشاركة في الأنشطة السياسية، وجعلت من السياسة شأناً عاماً يمارسه معظم
أفراد الشعب" (عبد الرزاق وصفدت، 2011، ص 57).
المبحث الثاني: الثقافة السياسية
أولاً: مفهوم الثقافة السياسية
1. تعريف الثقافة السياسية
تُعرف الثقافة السياسية بأنها
"مجموعة القيم والاتجاهات والمعارف والمشاعر التي توجه سلوك الأفراد تجاه النظام
السياسي ومؤسساته" (ألموند وفيربا، 1965). وهي تعكس التوجهات الإدراكية والعاطفية
والتقييمية للأفراد تجاه النظام السياسي.
2. مكونات الثقافة السياسية
تتكون الثقافة السياسية من ثلاثة عناصر
رئيسية:
·
التوجهات
الإدراكية: وتشمل المعرفة والمعتقدات حول النظام السياسي.
·
التوجهات
العاطفية: وتتعلق بالمشاعر نحو النظام كالانتماء أو الاغتراب.
·
التوجهات
التقييمية: وتتضمن الأحكام والتقييمات تجاه أداء النظام.
3. خصائص الثقافة السياسية
مكتسبة: تنتقل عبر التنشئة الاجتماعية
في الأسرة والمدرسة والمؤسسات الأخرى.
متغيرة: تخضع للتطور والتغيير مع تغير
الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
تعددية: تختلف داخل المجتمع الواحد
باختلاف العوامل كالجنس والسن والموقع الاجتماعي.
فرعية: تعتبر جزءاً من الثقافة العامة
وتتأثر بها وتؤثر فيها.
ثانياً: أنماط الثقافة
السياسية
1. التصنيف حسب الخصائص
الاجتماعية
§
حسب
النوع: تختلف ثقافة الرجل السياسية عن ثقافة المرأة، لا سيما في معدلات المشاركة السياسية.
§
حسب
الانتماء الإقليمي: تباين بين ثقافة الحضر وثقافة الريف من حيث الاهتمام والمشاركة
السياسية.
§
حسب
السن: تختلف ثقافة الشباب عن كبار السن بسبب التغير في القيم والدوافع.
§
حسب
الموقع الاجتماعي: تفرق بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير.
2. تصنيف ألموند وفيربا
(1965)
يقسم ألموند وفيربا الثقافة السياسية
إلى ثلاثة أنماط رئيسية:
-الثقافة السياسية المحدودة: يتميز
الأفراد بضعف الوعي السياسي وعدم المشاركة.
-الثقافة السياسية التابعة (الرعوية):
يدرك الأفراد النظام السياسي ولكنهم لا يشاركون فيه.
-الثقافة السياسية المشاركة: يمتلك
الأفراد وعياً سياسياً عالياً ويمارسون المشاركة الفعالة.
3. أنماط مختلطة
يمكن الجمع بين الأنماط الأساسية لإنتاج
أنماط أخرى مثل:
النمط الرعوي – المشارك
النمط المحدود – الرعوي
النمط المحدود – المشارك
ثالثاً: وظائف الثقافة
السياسية
1. فهم النظم السياسية:
تساعد الثقافة السياسية في تحليل طبيعة النظم
السياسية ودرجة تجانسها مع قيم المجتمع.
2. تحليل العلاقة بين المواطن
والسلطة: تعكس الثقافة السياسية توقعات المواطنين
من السلطة وقدرتهم على التأثير فيها.
3. تعزيز المشاركة السياسية:
تشكل الثقافة السياسية أساساً لتطوير المشاركة
الديمقراطية وزيادة الوعي السياسي.
4. بناء الشخصية الوطنية:
تساهم الثقافة السياسية في تعزيز الهوية
الوطنية والتكامل الاجتماعي.
5. تعزيز حقوق المواطنة:
ترفع الثقافة السياسية من وعي الأفراد بحقوقهم
وواجباتهم السياسية.
المبحث الثالث: العلاقة بين المشاركة السياسية والثقافة السياسية
تعد العلاقة بين المشاركة السياسية
والثقافة السياسية علاقة تكاملية وثيقة، حيث تشكل الثقافة السياسية الإطار المعرفي
والقيمي الذي يوجه أنماط المشاركة السياسية للأفراد والجماعات. فالثقافة السياسية ليست
مجرد خلفية ثقافية، بل هي عامل حاسم في تشكيل مستوى ونوعية المشاركة السياسية في أي
مجتمع. يهدف هذا المبحث إلى تحليل هذه العلاقة الجدلية، من خلال استعراض كيف تؤثر مكونات
الثقافة السياسية (المعرفية، العاطفية، التقييمية) في دافعية الأفراد وأشكال مشاركتهم،
وكيف أن الممارسة السياسية الفعلية بدورها قد تسهم في إعادة تشكيل الثقافة السياسية
السائدة.
أولاً: الثقافة السياسية
كمنظومة موجهة للمشاركة
1. التوجهات الإدراكية
والمعرفية وأثرها في المشاركة
تشكل المعرفة السياسية والأفكار التي
يحملها الأفراد عن النظام السياسي وعناصره (المدخلات، العمليات، المخرجات) الأساس الأولي
لقرار المشاركة أو الامتناع. فالفرد الذي يدرك طبيعة النظام وكيفية عمله، ويعرف قنوات
التأثير المتاحة (كالانتخابات، الأحزاب، جماعات الضغط)، يكون أكثر استعداداً للمشاركة
الفاعلة. على العكس من ذلك، فإن ضعف المعرفة السياسية أو انتشار معلومات مغلوطة قد
يؤدي إلى اللامبالاة أو المشاركة العشوائية.
يرى ألموند وفيربا أن "التوجهات
الإدراكية تتضمن معرفة ومعتقدات الأفراد حول النظام السياسي وقياداته" هذه المعرفة
هي شرط أساسي للمشاركة الرشيدة. (ألموند، ص 04)
2. التوجهات العاطفية والانتماء
كدافع للمشاركة
ترتبط مشاعر الأفراد نحو النظام السياسي
(كالولاء، الانتماء، الثقة، أو الاغتراب والسخط) ارتباطاً وثيقاً بنوعية مشاركتهم.
فالثقافة السياسية التي تغرس قيم الانتماء الوطني والمواطنة الفاعلة تولد دافعاً عاطفياً
قوياً للمشاركة الإيجابية كالتصويت أو الانخراط في العمل العام. في المقابل، قد تؤدي
ثقافة الاغتراب وعدم الثقة إما إلى العزوف السياسي الكامل، وإما إلى المشاركة الاحتجاجية
أو الرافضة كالمظاهرات السلمية أو العنيفة. (ألموند، ص 04)
3. التوجهات التقييمية
وتشكيل طبيعة المشاركة
تتضمن الثقافة السياسية أحكاماً تقييمية
حول شرعية النظام وكفاءة أدائه. فعندما يقيّم المواطنون أداء النظام وأجهزته بشكل إيجابي،
يميلون إلى المشاركة عبر القنوات الرسمية (المؤسسية) داعمين ومتفاعلين. أما إذا ساد
التقييم السلبي، فقد تتحول المشاركة نحو قنوات غير تقليدية أو معارضة، بهدف التغيير
أو التعبير عن الرفض. الثقافة السياسية هنا توفر المعايير التي على أساسها يُحكَم على
الأداء، ومن ثم تُتخذ قرارات المشاركة.
ثانياً:
أنماط الثقافة السياسية ومستويات المشاركة المرتبطة بها
1. الثقافة السياسية المحدودة
والمشاركة الضعيفة
في هذا النمط، كما وصفه ألموند وفيربا،
يكون وعي الأفراد بالنظام السياسي محدوداً أو معدوماً، وتكون توقعاتهم من النظام قليلة.
تنعكس هذه الثقافة في مجتمعات قبلية أو في مراحل التكوين الأولى للدولة. هنا، تكون
المشاركة السياسية غائبة عملياً، أو تقتصر على الولاءات المحلية الضيقة (القبيلة، العائلة،
الزعيم المحلي) دون إدراك للهوية السياسية الوطنية أو لدور الدولة.
التهميش: "فادراك الأفراد للنظام
السياسي ككل بمعنى المدخلات والمخرجات يكون بسيطاً جداً إلى درجة الانعدام" في
الثقافة المحدودة ( ألموند، ص 11).
2. الثقافة السياسية التابعة
(الرعوية) والمشاركة السلبية
يتميز أفراد هذا النمط بوعي بالمخرجات
السياسية (مثل القوانين والخدمات التي تقدمها الدولة) ولكنهم غير مدركين لدورهم كمدخلات
فاعلة في النظام. فهم يرون النظام ككيان يمنح أو يحرم، وليس كإطار للمشاركة. لذلك،
تكون مشاركتهم سلبية، تتسم بالطاعة والخضوع للسلطة، دون ممارسة حق التصويت أو المطالبة
بشكل فعال. قد يظهر الدعم أو المعارضة كموقف عاطفي، لكنه لا يترجم إلى فعل سياسي منظم.
3. الثقافة السياسية المشاركة
والمشاركة الفعالة
يمتلك أفراد هذا النمط فهماً شاملاً
للنظام السياسي، ويشعرون بالفاعلية والقدرة على التأثير. تتبنى ثقافتهم قيماً كالمواطنة
الفاعلة والمساءلة والمحاسبة. هنا، تكون المشاركة السياسية عالية ومتنوعة، وتشمل:
-
المشاركة
الانتخابية: التصويت والترشح.
-
المشاركة
الحزبية والنقابية: الانتماء إلى منظمات المجتمع المدني.
-
المشاركة
الاحتجاجية السلمية: التظاهر، تقديم العرائض.
-
المشاركة
التواصلية: النقاش العام، استخدام الإعلام.
هذه الثقافة هي التي تعتبر الركيزة
الأساسية للديمقراطيات المستقرة.
ثالثاً: تأثير المشاركة
السياسية في إعادة تشكيل الثقافة السياسية
العلاقة ليست أحادية الاتجاه من الثقافة
نحو المشاركة، بل هي تفاعلية. فالممارسة السياسية الفعلية يمكن أن تكون مدرسة لتعلم
وتغيير الثقافة السياسية:
التنشئة السياسية من خلال الممارسة:
عندما يشارك الفرد في انتخابات نزيهة ويلمس أثر صوته، فإن ذلك يعزز لديه شعور الفاعلية
السياسية (Political efficacy)، وهو عنصر مركزي في الثقافة المشاركة.
المشاركة كأداة لتعديل التقييمات: قد
تؤدي المشاركة الناجحة في تحقيق مطلب مجتمعي إلى تعديل التقييمات السلبية عن فاعلية
النظام أو القنوات المتاحة.
المشاركة الاحتجاجية وتحديث الثقافة:
في المجتمعات ذات الثقافة الرعوية أو التقليدية، قد تكون حركات المطالبة والمشاركة
الاحتجاجية هي المحرك الرئيسي لتطوير الثقافة السياسية نحو قيم المطالبة بالحقوق والمساءلة.
دور النخب والمؤسسات: يمكن للنخب السياسية
والمؤسسات التعليمية والإعلامية، من خلال تشجيع وتيسير سبل المشاركة، أن تعمل على تطوير
الثقافة السياسية نحو النمط المشارك.
رابعاً: العوامل الوسيطة
في العلاقة وتطبيقات على الواقع العربي
1. عوامل تعيق تحول الثقافة
نحو المشاركة
الاستبداد السياسي: يقمع المشاركة الحرة
ويعزز الثقافة الرعوية أو الخوف.
التنشئة الاجتماعية التقليدية: في الأسرة
والمدرسة، التي قد لا تشجع على النقد أو المبادرة السياسية.
التعددية الاجتماعية غير المتكاملة
(الطائفية، العرقية): قد تحصر المشاركة في هويات فرعية وتقوض الثقافة الوطنية المشاركة.
ضعف المؤسسات الوسيطة (أحزاب، نقابات،
إعلام حر): التي تعتبر قنوات أساسية لتنظيم وتوجيه المشاركة وتطوير الثقافة السياسية.
2. حالات تطبيقية
المرأة العربية: كما نوقش في الملف،
فإن انخفاض معدلات المشاركة السياسية للمرأة العربية يرتبط بثقافة سياسية مجتمعية تقليدية
لا تزال تنظر للسياسة كشأن "رجالي"، رغم التقدم في دول مثل الجزائر.
الريف مقابل الحضر: تشير الدراسات إلى
وجود قصور في المعرفة والاهتمام السياسي لدى سكان الريف مقارنة بسكان الحضر، مما ينعكس
على مستوى ونمط المشاركة.
الربيع العربي: شكلت الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت عام 2011 لحظة تحول كبرى، حيث أظهرت كيف يمكن أن تؤدي ثقافة سياسية متراكمة من السخط والتطلع للتغيير إلى تفجير مشاركة جماهيرية غير مسبوقة، وكيف أن هذه المشاركة نفسها أعادت تشكيل الوعي والمشاعر السياسية لملايين العرب.
خاتمة
يتبين
لنا من خلال هذا البحث أن العلاقة بين المشاركة السياسية والثقافة السياسية تمثل واحدة
من أكثر العلاقات تعقيداً وأهمية في علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي. فهي علاقة
جدلية تفاعلية، كل منها يشكل الآخر ويُشكل بواسطته، في دائرة مستمرة من التأثير والتأثر.
لقد
أثبت التحليل أن الثقافة السياسية ليست مجرد خلفية ثقافية ثابتة، بل هي منظومة ديناميكية
من القيم والمعتقدات والمشاعر والمعارف التي توجه السلوك السياسي للأفراد والجماعات.
وهي تعمل كمرشح يفسر من خلاله المواطنون الأحداث السياسية، وكإطار مرجعي يتخذون على
أساسه قرارات المشاركة أو العزوف. فالثقافة المشاركة تولد مواطنين فاعلين، بينما تنتج
الثقافة الرعوية أو المحدودة مواطنين سلبيين أو منعزلين.
من ناحية أخرى، أظهر البحث أن الممارسة السياسية الفعلية - سواء كانت انتخابية أو حزبية أو احتجاجية - ليست مجرد نتاج للثقافة السياسية، بل هي أيضاً أداة فاعلة في تشكيلها وتطويرها. فكل تجربة مشاركة ناجحة تعزز الشعور بالفاعلية السياسية، وكل مكسب يحققه المواطنون عبر المشاركة المنظمة يعزز قيم الثقة بالمؤسسات والانتماء للوطن.
قائمة المراجع
-ألموند وفيربا، الثقافة السياسية، دراسات من المنطقة العربية وعنها،
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط2، 2025.
-أبو زيد أحمد سليمان، علم الاجتماع
السياسي "الأسس والقضايا من منظور نقدي"، دار المعرفة الجامعية، القاهرة،
2006.
-المنوفي كمال محمود، الثقافة السياسية للفلاحين المصريين،
رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة القاهرة، 1978.
-نوبر عبد السلام علي، الثقافة السياسية
للمعلم المصري "دراسة ميدانية لمعلمي مرحلة التعليم الأساسي" رسالة دكتوراه
، جامعة القاهرة، 1998.
-أطلب برو، علم الاجتماع السياسي، ترجمة
عريب حامد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1998.
-غي هرميه، فليب برو وآخرون، معجم علم السياسة والمؤسسات السياسية، ترجمة هيثم
اللمع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2005.
-حافظ لماجدة سيد، دراسات في علم الاجتماع
الحضري، مكتبة سعيد رافت، جامعة عين شمس، القاهرة، 1978.
-المغيولبي محمد زاهي، قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية
ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي، 1994.
-العامري سلوى، "الوعي السياسي
بالأحزاب والممارسة الحزبية لدى عينة من الريفيين" في: مؤتمر القرية المصرية:
الواقع والمستقبل المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة، 1994.

تعليقات
إرسال تعليق