المنشآت العمرانية لغرناطة في عهد محمد الخامس: روائع العمارة النصرية من خلال كتاب "الإحاطة"
خلاصة المقال: دراسة أثرية وهندسية موثقة حول المنشآت العمرانية في غرناطة خلال العصر الذهبي للسلطان محمد الخامس الغني بالله، استناداً إلى ما ذكره لسان الدين بن الخطيب في كتابه "الإحاطة". يتناول المقال أقسام قصر الحمراء (بهو السباع، قاعة الأختين، قاعة الملوك، قاعة بني سراج)، بيمارستان غرناطة، المنشآت الدينية والعسكرية، الخصائص الزخرفية، ومواد البناء النصرية.
كاتب المقال: دحومي صلاح الدين
بطاقة التعريف بالمنشآت العمرانية النصرية
| المنشأة / العنصر العمراني | التاريخ والمؤسس / الخصائص |
| قصر الحمراء (Alhambra) | القصبة والمدينة الملكية على تل السبيكة (تأسيساً وتطويراً من يوسف الأول ومحمد الخامس) |
| بهو وقصر السباع | أنشأه السلطان محمد الخامس، يتوسطه حوض مرمري تحمله 12 أسداً |
| مارستان (بيمارستان) غرناطة | أول مستشفى إسلامي جامع بالأندلس، أنشأه محمد الخامس سنة 767 هـ |
| مصلى المشور | مسجد صغير مخصص للبلاط الإداري المتاخم للحمراء أسسه محمد الخامس |
| تقنيات الزخرفة | التوريق، الأرابيسك الهندسي، المقرنصات، وشعار (لا غالب إلا الله) |
1. قصر الحمراء: جوهرة العمارة المدنية الإسلامية
يقول لسان الدين بن الخطيب في كتابه "الإحاطة" موثقاً جمال الحضرة الغرناطية:
"ورأيت أن هذه الحضرة التي لا خفاء بما وفر الله من أسباب إيثارها وأراده من جلال قدرها، جعلها ثغراً للإسلام ومتبوأً للعرب الأعلام... وما خصها به من اعتدال الأقطار وجريان الأنهار وانفساح الاعتمار والتفاف الأشجار".
تجلت عبقرية الفن النصري في قصر الحمراء الذي أسسه محمد الأول بن الأحمر على هضبة السبيكة، وأكمل أبنيته أبو الحجاج يوسف الأول ومحمد الخامس الغني بالله:
أ. بهو وقصر السباع:
هو أشهر أبهاء الحمراء ومن أبدع أعمال السلطان محمد الخامس. يتوسط البهو حوض رخامي تحيط به 12 تمثالاً من الرخام الأبيض لسباع (أسود) يتدفق الماء من أفواهها. تحيط بالبهو 124 عموداً رخامياً رزيناً بشرفات وأقواس مختلفة الحجم ومغطاة بزخارف الجص والمقرنصات والزليج الملون.
ب. قاعة الأختين:
تُعد جوهرة القصر المعمارية؛ سميت بذلك لوجود قطعتين متساويتين من الرخام الفاخر في أرضيتها. تعلوها قبة نجمية مثمنة توحي بموجات متدرجة من المقرنصات، وتطل على بستان الملكة ومنظر دراشا. نُقِش على جدرانها ونوافذها عبارة "لا غالب إلا الله".
ج. قاعة الملوك (العدل):
تقع شرق فناء الأسود، وتتميز بعقودها المثلثة وبوجود رسوم جدارية سقفية تُصور سادة مسلمين وفرساناً ومناظر صيد، يُرجح المؤرخون أنها تُمثل ملوك بني نصر أو أُنجزت بمهارة مستفادة من فنانين معاصرين.
د. قاعة بني سراج:
تقع جنوب بهو الأسود؛ ارتبطت تاريخياً بفرسان أسرة بني سراج الأندلسية. تتميز بتكوينها المستطيل وقبتها العالية المضلعة المكسوة بالمقرنصات، وبوجود بيت شعري من نظم ابن زمرك على جوانبها:
فتسبحها الأفلاك دارت فتمسيها ... تظل عمود الصبح إذ لاح باديا
هـ. قاعة البركة (ساحة الريحان):
أنشأها محمد الخامس وتتقدم بهو السفراء، واكتسبت اسمها من البركة المائية الكبيرة التي تتوسطها والمحاطة بصفين من شجر الريحان، إضافة إلى كتابات الجص الخشبية المترددة بلفظ "البركة".
2. مارستان (بيمارستان) غرناطة
يُمثل المارستان الأعظم بغرناطة أول مستشفى متكامل في تاريخ الأندلس يُبنى لخدمة مرضى المسلمين وضعفائهم. أسسه السلطان محمد الخامس بين عامي (767 - 768 هـ) على الضفة اليمنى لنهر حدرة.
وقد نوه ابن الخطيب بهذا الإنجاز قائلاً:
"ومن مواقف الصدق والإحسان بناء المارستان الأعظم حسنة هذه التخوم القصوى لم يهتدِ إليه غيره من الفتح الأول... فخامة البيت وتعدد الخزائن والحرية والأهوية الطيبة وتدفق المياه من فورات الرمل وأسود الصخر".
التصميم الأثري: يلتف المبنى حول صحن أوسط مستطيل يضم حوضاً مائياً كبيراً يتدفق الماء فيه من فمي أسدين سجينين (مشابهين لأسود الحمراء).
البوابة الرئيسية: تميزت بطرازها العربي-الفارسي المزين بالخط الكوفي المنسوج والزليج الأزرق وعبارة الشعار النصري.
3. المنشآت الدينية والعسكرية
أ. المنشآت الدينية (مصلى المشور والمساجد):
جمع الفن النصري بين البساطة الخارجية للعمائر والدقة الزخرفية الداخلية. وأبرز نموذج ديني من عهد محمد الخامس هو "مصلى المشور" المتاخم للسور الشمالي للحمراء، وكان يضم قبة ملكية يتردد عليها السلطان للاستماع إلى رعاياه وإدارة المظالم.
ب. التحصينات العسكرية والأبراج:
نظراً للهجمات القشتالية المتكررة، أولى ملوك بني نصر اهتماماً بالغة بالمنشآت الدفاعية:
حكم الأسوار: تزويد الأسوار بممرات خشبية للمقاتلين وشرفات مسننة لقذف السهام.
قصبة الحمراء: حصن مثلث الجدران شديد السمك (نحو 3 أمتار) يضم أبراج حراسة متينة كـ "برج الحراسة".
أعمال التجديد: ينقل ابن الخطيب أن السلطان محمد الخامس قام بإصلاح الثغرات وتجديد تحصينات الحمراء وقصبة أرجونة وبناء أكثر من أربعين برجا منيعاً حول ربض البياسين.
4. خصائص ومواد العمارة النصرية
تميزت عمارة بني نصر بالجمع بين المواد المحلية البسيطة والسرعة في التنفيذ مع الإبداع الفني الفائق في التزيين:
أ. مواد البناء الأساسية:
الطوب والآجر والخشب: استخدام الطين المدكوك والقرميد الفخاري لكسوة السقوف والقباب كعازل حراري ومائي.
الجص (Stucco): المادة الرئيسية لتغليف الجدران بالأشكال النباتية والهندسية والخطية.
الزليج والرخام: تبليط الأرضيات بالرخام الأبيض واستخدام الزليج الملون (الأزرق، الأصفر، والأخضر) لإكساء أسافل الجدران (الدادو).
ب. الخصائص الزخرفية والهندسية:
التوريق (Foliation): اعتماد الزخارف النباتية القائمة على الأوراق والمراوح النخلية والسيقان المتشابكة.
الأرابيسك والأطباق النجمية: رسم المضلعات السداسية والثمانية والنجمية المتقاطعة على الجدران والأسقف.
المقرنصات (Muqarnas): قباب متدرجة من الخلايا الجصية الهابطة كأنها ثريات متموجة.
الزخرفة الخطية: انتشار أشرطة الخط الأندلسي والكوفي محملة بأبيات شعرية لابن الخطيب وابن زمرك، والشعار الخالد: (لا غالب إلا الله).
📚 المصادر والمراجع المعتمدة:
لسان الدين بن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، دار الأمل، الجزائر، 2009م، ج 1، ص 74-359، ج 2، ص 25.
عبد العاصي محمد الورفلي: أوراق أندلسية، دار الكتب الوطنية، بنغازي، 1990م، ص 20.
عدنان فائق عنبتاوي: حكايتنا في الأندلس، المؤسسة العربية، بيروت، 1989م، ص 273.
ابن الخطيب: اللمحة البدرية في الدولة النصرية، ص 42.
بلبغ محمد توفيق: غرناطة وقصر الحمراء، المجلة التاريخية المصرية، مج 16، ع 1، ص 86-91.
حسن الباشا: الآثار الإسلامية، دار النهضة العربية، 1990م، ص 177.
محمد حسن العيدروس: العصر الأندلسي: العمارة والفنون، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 2011م، ص 62.
محمد عبد الله عنان: الآثار الأندلسية الباقية في إسبانيا والبرتغال، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1997م، ص 93-208.
ألبرت كالفرت: غرناطة وقصر الحمراء، ترجمة: أحمد إيبش، دار الكتب، الإمارات، ص 38.
صقر محمد عبد الحميد عيسى: حمراء غرناطة وتطورها، نادي أبها الأدبي، ع 13، ص 80.
عبد الحكيم الذنون: آفاق غرناطة، دار المعرفة، 1944م، ص 98-111.
عبد الواحد ذنون طه: دراسات في حضارة الأندلس وتاريخها، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2004م، ص 256.
كمال الدين سامح: العمارة في صدر الإسلام، دار النهضة، القاهرة، 2000م، ص 170.
محمد لبيب البتوني: رحلة الأندلس، مطبعة المعارف، القاهرة، 1905م، ص 136.
خالد محمد مبارك القادسي: تاريخ الحضارة الإسلامية في الأندلس، دار الثقافة، القاهرة، 2008م، ص 49.
علي إسلام الباشا: إسبانيا والأندلس، مطبعة مصر، 1951م، ص 84.
حازم جساب محمد علي: جمالية التصميم الزخرفي الأندلسي لقصور الحمراء، دار صفاء، عمان، 2014م، ص 162.
محمد عبد المنعم الجمل: قصور الحمراء، ديوان العمارة، ص 141-155.
زكي عبد الرحمن: غرناطة وآثارها الفاتنة، نوابغ الفكر، القاهرة، 2011م، ص 60.
شكري فرحات: غرناطة في ظل بني الأحمر، دار الجيل، بيروت، ص 153-196.
أحمد عيسى: تاريخ البيمارستانات في الإسلام، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2012م، ص 190.
شامخ زكريا علاونة: بيمارستان مدينة غرناطة: دراسة تاريخية، مجلة عصور، 2017م، ص 178-179.
خديجة خيري: دور الوقف الإسلامي في تفعيل الرعاية الصحية، مجلة جيل العلوم الإنسانية، 2020م، ص 149.
المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، دار صادر، بيروت، ص 181.
أحمد محمد طوخي: مظاهر الحضارة في الأندلس في عصر بني الأحمر، الإسكندرية، 1997م، ص 57.
باسيليو بابون مالدونادو: عمارة المساجد في الأندلس، ترجمة: علي إبراهيم منوفي، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2011م، ص 125.
باسيليو بابون مالدونادو: العمارة الإسلامية في الأندلس: عمارة القصور، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010م، مج 3، ص 86-87.
شكيب أرسلان: الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية، مطبعة فاس، 1936م، ج 1، ص 81.


