المهلوسات في الجزائر

 

«ترند» المهلوسات في الجزائر: حين تُصبح مأساة الشباب محتوى ساخراً

تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر موجة متصاعدة من المحتوى الساخر الذي يتعامل مع أزمة انتشار المؤثرات العقلية والمهلوسات، لا سيما دواء «البريغابالين» المعروف تجارياً باسم «ليريكا». وبينما تتنافس المقاطع المصورة على جذب المشاهدات، يجد المتابع نفسه أمام ظاهرة مركبة: مجتمع يضحك على مأساة تلتهم شبابه، ويحوّل أزمة صحية وأمنية إلى «ترند» ترفيهي عابر. هذا المقال يحلل الظاهرة من منظور سوسيولوجي، ويفكك دلالاتها، ويكشف عن التوتر الخفي بين السخرية كآلية دفاع جماعي، والتطبيع الخطر لسلوك مدمّر.



المقدمة: حين يضحك المجتمع على جرحه

في الأسابيع الأخيرة، لم يكن من الصعب على متصفح منصات «تيك توك» و«إنستغرام» في الجزائر أن يلاحظ موجة غريبة من المقاطع المصورة. شباب يتحدثون بضحكات مفتعلة عن «البحث عن الحبة المفقودة»، وآخرون يصورون أنفسهم وهم يفتشون في جيوبهم عن «القرص الأحمر»، ومقاطع صوتية ساخرة تُستخدم خلفيةً لمشاهد تمثيلية عن «رحلة الإدمان». ما يجمع هذه المواد جميعاً هو موضوع واحد: أزمة انتشار المؤثرات العقلية، وخاصة دواء «البريغابالين» المعروف شعبياً بـ«ليريكا» أو «الصاروخ» -1.

لكن خلف الكوميديا الظاهرة، يتراكم سؤال مقلق: لماذا يختار مجتمع أن يضحك على أزمة تلتهم أبناءه؟ وهل هذه السخرية تعبير عن وعي بالأزمة، أم هي بالضبط ما يجعل الأزمة أكثر احتمالاً، وبالتالي أكثر استمرارية؟

أولاً: وصف الظاهرة — من الألم الصامت إلى «الترند» الصاخب

المحتوى السائد: لغة الفكاهة كقناع

تشير تقارير إعلامية إلى أن المنصات الرقمية في الجزائر تشهد «موجة كبيرة من المقاطع الساخرة التي تتعاطى — بنوع من الهزل الشديد والفكاهة — مع أزمة شحّ المؤثرات العقلية والأدوية المهلوسة» -1. هذه المقاطع تتنوع بين فيديوهات تمثيلية قصيرة، وميمات (Memes) تحمل عبارات ساخرة عن «اختفاء الأقراص الحمراء»، ومقاطع صوتية رائجة تُستخدم للتندّر على «الأسعار الخيالية» لهذه الأدوية في السوق السوداء.

واللافت أن هذه المواد لا تأتي فقط من صنّاع محتوى محترفين، بل يشارك فيها «عامّة المستخدمين» الذين يجدون في السخرية وسيلة للتعبير عن تجربة جماعية باتت مألوفة -1. فحين يصبح اسم دواء مثل «بريغابالين» أو «ليريكا» عبارة يتندّر بها الجميع، فهذا يعني أن الأزمة قد اخترقت وعي المجتمع إلى درجة يصعب إنكارها.

ما تحجبه العدسة الساخرة

خلف الشاشة، تتكشف صورة مختلفة تماماً. فالإدمان على المؤثرات العقلية — وخاصة «البريغابالين» — يرتبط بتدهور نفسي متسارع، وعزلة عاطفية، وسلوكيات عدوانية، وتفكك أسري. وتشير دراسة ميدانية أُجريت في منطقة ورقلة إلى أن حالات التسمم الناجم عن «البريغابالين» ارتفعت من 0.8% من حالات التسمم الحادة في 2017 إلى 15.5% في 2022 ثم 21.5% في 2023، بمتوسط عمر للمرضى يبلغ 24 سنة، و90.8% منهم من الذكور -12. هذه الأرقام لا تعكس «ترند» عابراً، بل جائحة صامتة تتسع.



ثانياً: التفسير السوسيولوجي — لماذا نضحك على مأساتنا؟

الفكاهة كصمام أمان جماعي

لم يكن استخدام السخرية في مواجهة المآسي ظاهرة مستحدثة. يُفسّر علماء الاجتماع الضحك الجماعي في لحظات الأزمات بكونه «صمام أمان» لا غنى عنه، واستراتيجية تكيّف تمكّن المجتمعات من تحمّل واقع لا تستطيع تغييره -1. فحين يعجز الفرد عن مواجهة خطر يهدد أبناءه أو إخوته أو أصدقاءه، يصبح الضحك وسيلة لتفريغ التوتر، وكسر جدار الخوف، ولو مؤقتاً.

في الحالة الجزائرية، تتضافر عوامل متعددة لتغذية هذه الاستراتيجية: شعور عام بالعجز أمام انتشار المخدرات بين الشباب، وغياب حلول ملموسة على المدى القصير، وتآكل الثقة في قدرة المؤسسات على الحماية. في هذا السياق، يتحول الضحك إلى «آلية دفاعية» تحمي النفس من الانهيار، لكنها في الوقت نفسه تُخدّر الإرادة الجماعية عن المطالبة بالتغيير.

«التخدير الذاتي» الرقمي: المفارقة القاتلة

الملاحظة الأكثر إثارة للقلق هي أن السخرية الرقمية حول المخدرات قد تتحول هي نفسها إلى نوع من «المخدر». فالمحتوى الساخر لا يغيّر الواقع، بل يجعله أكثر احتمالاً. وكلما زاد الضحك، زادت المسافة بين المشاهد والمشكلة. وهنا تظهر المفارقة: المجتمع يستخدم أداة رمزية (الفكاهة) للتخفيف من وطأة أزمة مادية (الإدمان)، لكن هذه الأداة نفسها تُطبيع الظاهرة وتُقلّل من خطورتها في الوعي الجمعي -1.

تصف إحدى التحليلات هذه العملية بـ«الفصل المعرفي» (dissociation cognitive): فالمأساة لم تعد تُشرَّح كفاجعة إنسانية ممزّقة للعوائل، ولا كإخفاق صحي وأمني وطني، بل أصبحت مجرّد «خلفية للنكتة» -1. هذا الفصل لا يحدث في اللاوعي فقط، بل ينتجه المحتوى الرقمي بآلياته الخاصة: الخوارزميات تكافئ التفاعل، والتفاعل يأتي من السخرية، والسخرية تُنتج المزيد من المحتوى الساخر، في حلقة مفرغة.

ثالثاً: البعد الصحي والنفسي — ما لا يظهر خلف الشاشة

أرقام لا تكذب

بحسب مصادر رسمية، بلغ عدد الأشخاص الذين تم التكفل بهم في الهياكل الصحية بسبب الإدمان على المؤثرات العقلية في الجزائر 34,000 شخص سنة 2023، تتراوح أعمار غالبيتهم بين 16 و35 سنة -4. هذا الرقم لا يشمل من لم يلجأ إلى العلاج، ولا من يتعاطى بشكل عرضي دون أن يصل إلى مرحلة الاعتماد الكامل. ويُضاف إلى ذلك أن «البريغابالين» يُستخدم ترفيهياً بجرعات تتراوح بين 3 و20 ضعف الجرعة العلاجية، مما يجعله مقروناً بمخاطر التسمم الحاد والوفاة -9.

الفرق بين السخرية والتوعية

السخرية قد تكون مدخلاً للتوعية حين تُستَخدم بوعي وهدف. لكن الفارق كبير بين فيديو يعرض مأساة حقيقية بأسلوب فكاهي لينتقد الظاهرة، وفيديو آخر يحوّل الإدمان إلى «نمط حياة» أو «ترند» للمشاهدات. الفئة الأكثر عرضة للخطر هي المراهقون، الذين قد يجدون في هذه المقاطع تطبيعاً لسلوك خطر، بدلاً من تحذير منه. ويشير أحد الناشطين في التوعية إلى أن «الناس فقدوا الحس بالخطر» بسبب هذا الكم من المحتوى الساخر -5.

رابعاً: السياق الرقمي — كيف تعمل الخوارزميات ضدنا؟

اقتصاد الانتباه: المأساة كمصدر للتفاعل

منصات «تيك توك» و«إنستغرام» لا تفرّق بين محتوى مضحك يوعي، ومحتوى مضحك يُطبّع. ما يهم هو التفاعل: الإعجابات، التعليقات، المشاركات. وفي اقتصاد الانتباه هذا، تُكافأ المواد التي تحقق أعلى نسبة مشاهدة، بغض النظر عن تأثيرها الأخلاقي أو الاجتماعي. فالمأساة التي تُقدَّم بشكل ساخر تجذب المشاهدات، والمشاهدات تغذي الخوارزمية، والخوارزمية تُنتج المزيد من المحتوى المشابه. هكذا يتحول الألم إلى «سلعة رقمية».

«الترند» كمعيار للقيمة

في هذا السياق، لم يعد السؤال «هل هذا المحتوى صحيح أو نافع؟» بل «هل هذا المحتوى رائج؟». ومعيار «الترند» يستبعد تلقائياً كل ما هو بطيء، عميق، أو معقّد. التحليل السوسيولوجي، والإحصاءات الرسمية، وشهادات المتعافين الجادة — كلها لا تصل إلى «الترند» بسهولة. لكن السخرية تصل. وهذا يعني أن المعرفة الرصينة حول أزمة الإدمان تُهزم أمام الفكاهة السهلة في معركة الانتباه.



خاتمة: ما بعد الضحك

السخرية الرقمية حول المهلوسات في الجزائر ليست مجرد «دعابة إلكترونية عابرة»، كما قد يبدو للوهلة الأولى. إنها مؤشر على أزمة أعمق، وربما عرض من أعراضها. فهي تعبّر عن مجتمع يشعر بالعجز، لكنها في الوقت نفسه تُنتج عجزاً إضافياً عندما تُطبّع الخطر وتُخدّر الإرادة.

ما نحتاجه ليس المزيد من التحذيرات الجافة، ولا المزيد من المقاطع الساخرة التي تُفرّغ القضية من مضمونها. ما نحتاجه هو خطاب بديل: خطاب يجمع بين الصدق في طرح المشكلة، والجاذبية في التوصيل، دون أن يتنازل عن الجدية. وعلى الباحثين والأكاديميين أن ينزلوا إلى هذه المنصات، لا ليتوعظوا، بل ليفهموا، ويحللوا، ويقدّموا ما يستحق القراءة. ففي النهاية، إذا كان الضحك هو ما يجعل الحياة قابلة للتحمل، فإن الصمت هو ما يجعل التغيير ممكناً.

الكلمات المفتاحية

  • ترند المهلوسات في الجزائر

  • البريغابالين في الجزائر

  • إدمان الشباب الجزائري

  • السخرية الرقمية

  • تيك توك الجزائر

  • الصحة النفسية في الجزائر

  • تحليل سوسيولوجي

المصادر والمراجع

  1. سلمى قويدر، «"ترند" المهلوسات في الجزائر.. عندما تغدو مأساة الشبّاب مُحتوى ساخر»، Ultra Algeria، 29 سبتمبر 2026 -1.

  2. «ثورة "فايس بوكية" و"تيك توكية" ضد الإدمان على المهلوسات»، الشروق أونلاين، 24 فبراير 2026 -5.

  3. S. Arslan, «Un poison à petites doses», El Watan, 9 novembre 2025 -4.

  4. دراسة ميدانية: Pregabalin misuse and abuse in the region of Ouargla, Algeria, ScienceDirect, 2024 -12.

  5. C. Portela et al., «Prescription drug abuse in migrants from Middle Eastern and North African countries: a review», Cambridge University Press, 2023 -9.

تعليقات